الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣٧ - ٩ كَذِبَ إبراهيمُ ثلاثَ مرّات
أمّا الاَوّل: أعني قوله: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُوم* فَقالَ إِنّي سَقيم) (الصافات | ٨٨ ـ ٨٩) . فلا دليل لنا انّه لم يكن حين ذاك سقيماً، وقد أخبر القرآن بإخباره بأنّه سقيم، وذكر سبحانه قبل ذلك انّه جاء ربّه بقلب سليم.
فلا يصحّ عليه كذب ولا لغو في القول.
وأمّا ما هي الصلة بين قوله ( فنظر نظرةً في النجوم) وقوله: (انّي سقيم)؟فخارج عن موضوع بحثنا، ولو لم يظهر لنا وجه الصلة، فلا مسوغ لنا على حمل قوله على الكذب.
وأمّا الثاني أعني: قوله: (قالَبَلْفَعَلهُ كَبِيرُهُمْ هذا فاسئَلُوهُمْ إِنْكانُوا يَنْطِقُون) (الاَنبياء | ٦٣) فليس بكذب قطعاً فانّ الصدق والكذب من صفات الكلام الصادر عن جدٍّ. وأمّا الكلام الصادر لغاية أُخرى كالهزل والاستهزاء الحق، فلا يوصف بالكذب وممّا لا شك فيه انّإبراهيم تكلّم بما تكلّم و نسب كسر الاَصنام إلى كبيرهم بغية الاستخفاف بعقول القوم حتى يهيّىَ الاَرضية اللازمة لاَن يقولوا له: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هوَلاءِ يَنْطِقُون) (الاَنبياء | ٦٥) فتتهيأ عندئذٍ أرضية مناسبة لاِفحامهم و تفنيد مزاعمهم بأُلوهية تلك التماثيل، بقوله: (أَفَتَعبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه ما لا يَنْفَعُكُمُ شيئاً وَلا يَضُرُّكُمْ* أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه ِ أَفَلا تَعْقِلُون) (الاَنبياء| ٦٦ـ٦٧).
فالكلام الملقى لتسكيت الخصم و إفحامه لا يوصف بالكذب إذا كان هناك قرينة واضحة على أنّه لم يصدر لغاية الجد، بل صدر لتكون مقدمة لاستنطاق الخصم واعترافه بعدم قابلية الاَصنام على التكلم حتى يتابعه إبراهيم بالبرهان الدامغ والتنديد بعقيدتهم الساذجة بما عرفت.
وأمّا الثالث فليس له مصدر إلاّ التوراة المحرفة، فقد جاء فيها:
فحدث لما دخل ابرام إلى مصر أنّ المصريين رأوا المرأة انّـها حسنة جداً