الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٥ - ٦ لا عدوى ولا صفر
بمشيته، وعلى ذلك فالقول بالعدوى والصفر يرجع حقيقته إلى أنّه سبحانه خلق العالم على تلك السنن، فلو انتشر الجرب من بعير مريض إلى سالم فقد انتشر بأمره سبحانه، ولو أخضرَّت الحقول المكتظة بالاَشجار بالماء فقد أخضرّت بأمره ومشيته، لاَنّه سبحانه جعل الماء سبباً لنمو الاَشجار واخضرارها حتى أنّه سبحانه ربما يستدل بالسنن الكونية على توحيده.ويقول: (وَفِي الاََرْض قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغيْرُصِنْوانٍ يُسقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الاَُكُلِ إِنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ)(الرعد|٤).
فاللّه سبحانه يستدل باختلاف الاَشجار والاَثمار وتنوعها على الرغم من وحدة التراب والماء على أنّ ثمة قدرة قاهرة مدبرة للكون، وليست العلل الطبيعية هي السبب التام لتفتّح براعم الاَزهار واخضرار الاَشجار، وإلاّيجب أن لا يحتضن العالم إلاّ نوعاً واحداً من الشجر لوحدة التراب والماء، فهذه الروايات حيكت على منوال إنكار الاَسباب الطبيعية بزعم انّ القول بها ينافي التوحيد في الخالقية، أو الربوبية.ولعل المصدر لهذه الرواية هو أبو هريرة وقد نقلها كما نقل ضدها.
أخرج البخاري، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» : لا عدوى ولا صَفَرَ [١] ولا هامة [٢] فقال أعرابي: يا رسول اللّه ما بال الاِبل تكون في الرَّمل كأنّها الظَّباء فيخالطها البعير الاَجرب فيجربّـها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فمن أعدى الاَوّل. [٣]
[١] ما يتوهم منه حصول الدواهي في شهر صفر.
[٢] هامة (بتخفيف الميم) طائر كان أهل الجاهلية يزعمون انّ روح الميت تنقلب هامة، فأبطل الاِسلام هذه الخرافة ولعل المراد منه البوم الذي يضرب به المثل في الشوَم.
[٣] صحيح البخاري:٧|١٣٨، باب لا هامة من كتاب الطب.