الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٣ - سيرته وأحاديثه الرائعة
أدعج العينين، برّاق الثنايا، دقيق المسربة، شثن الكفين و القدمين، كثّ اللحية عليه ثوبان أبيضان، كأنّه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام حسن الوجه، مراهق أو محتلم، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر، فاستلم ثم استلم الغلام واستلمت المرأة ثمّ طاف بالبيت سبعاً، وهما يطوفان معه، ثمّ استقبل الركن، فرفع يده وكبّـر، وقام ثمّ ركع، ثمّ سجد ثمّ قام فرأينا شيئاً أنكرناه لم نكن نعرفه بمكة فأقبلنا على العباس، فقلنا: يا أبا الفضل! إنّهذا الدين حدَث فيكم أو أمر لم نكن نعرفه؟ قال: أجل واللّه ما تعرفون، هذا ابن أخي محمد ابن عبد اللّه والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته أما واللّه ما على وجه الاَرض أحد نعلمه يعبد اللّه بهذا الدين إلاّهوَلاء الثلاثة. [١]
كان ابن مسعود أوّل من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، اجتمع يوماً أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: واللّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطُّ فَمَنْ رجل يُسمعه، فقال عبد اللّه بن مسعود: أنا، فقالوا: إنّا نخشاهم عليك إنّما نريد رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه، فقال: دعوني فانّ اللّه سيمنعني فغدا عبد اللّه حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتهاحتى قام عند المقام، فقال رافعاً صوته: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ( الرّحمنُ* عَلَّمَ القُرآنَ) فاستقبلها فقرأ بها، فتأملوا فجعلوا يقولون ما يقول ابن أُم عبد، ثمّ قالوا: إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللّه أن يبلغ ثمّانصرف إلى أصحابه وقد أثّروا بوجهه، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء اللّه قط أهون عليَّ منهم الآن ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً، قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون. [٢]
وقد بعثه عمر إلى الكوفة ليعلّمهم أُمور دينهم وبعث عماراً أميراً وكتب
[١] سير اعلام النبلاء: ١|٤٦٣ برقم ٨٧.
[٢] أُسد الغابة: ٣|٢٥٧.