الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٥٣ - ٩ التجسيم في أحاديثه
٣. أخرج مسلم في صحيحه عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): ما من نبي إلاّوقد أنذر أُمّته الاَعور الكذاب، إلاّ انّه أعور وانّ ربّكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه ك ف ر.[١]
انّمعنى الحديث انّللّه سبحانه عيناً ولكنها ليست بعوراء و هو نفس إثبات العضو له سبحانه: ولا يقاس ذلك بقوله سبحانه: (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) أو قوله :(فَإِنّكَ بأَعيُنِنا) أو قوله: (واصْنَعِ الفُلكَبِأَعْيُنِنا) أو قوله: (تَجْري بِأَعْيُنِنا).[٢]
فإنّ العين في هذه الآيات كناية عن الحفظ والكلاءة وشيخ الاَنبياء كان بحاجة إلى تثبيت فوَاده وقلبه بهذه البشارة، وأمّا الحديث فليس فيه هذه النكتة بل هو في مقام مقايسة عينه سبحانه بعين الدجال، فحكم على إحداهما بالاَعورية دون الاَُخرى وهذا يقتضي اشتراكهما في نفس العضو واختلافهما في العِوَر .
وربما يتصور بأنّ نفي الاَعورية كنفي الولد عنه في القرآن، وهذا أيضاً قياس مع الفارق، فانّ القول بالولد عقيدة معروفة للنصارى، قال سبحانه: (وقالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبحانَه) (البقرة|١١٦) فلم يكن هناك محيص إلاّنفي الولد عنه وهذا بخلاف الاَعورية فلم يكن هناك قول بكونه سبحانه أعور حتى ينفيه الرسول.
وبذلك يظهر انّ محاولة ابن الجوزي لتصحيح الرواية محاولة عقيمة،
حيث قال: إنّما نفى عنه العور من حيث نفي النقائص كأنّه قال: ربّكم ليس بذي
جوارح تتسلط عليه النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه، لاَنّه يستحيل عليه
التجزوَ . [٣]
[١] دفع شبه التشبيه بألّف التنزيه:٢١٥.
[٢] صحيح مسلم: ٨|١٩٥، باب ذكر الدجال وصفته وما معه من كتاب الفتن الحديث الثاني.
[٣] لاحظ السور التالية : طه: ٣٩؛ الطور: ٤٨؛ هود: ٣٧؛ القمر: ١٤.