الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩٣
قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. [١]
أخرج مسلم عن الاَعمش، عن شفيق، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض ولاَُنازعنّ أقواماً ثم لاَغلبن عليهم، فأقول: يا ربّ أصحابي، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. [٢]
والعجب انّ الذين يروون هذه الاَحاديث من الصحيحين ـ اللّذين يُعدان عندهم من أصحّ الكتب بعد كتـاب اللّه ـ يحكمون بلزوم الاقتداء بكلّ صحابي وأخذ الحديث منه، ولا يجوّزون رمي واحد منهم بالجرح مع أنّ بينهم من بدّل دين اللّه وغيّره وأحدث وقال في حقّه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سحقاً، سحقاً.
هذه طائفة من روائع أحاديثه، وإليك هذا الحديث المنسوب إليه والذي
يخالف القواعد السالفة الذكر .
نزول الوحي عند رغبة ابن امّ مكتوم
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي إسحاق، أنّه سمع البراء يقول في هذه الآية: «لا يستوي القاعدون من الموَمنين والمجاهدون في سبيل اللّه» فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) زيداً فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أُمّمكتوم ضرارته، فنزلت: (لا يَسْتَوي القاعِدونَ مِنَ المُوَْمنينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَر).[٣]
ومعنى ذلك انّ الوحي نزل لرغبة ابن أُمّ مكتوم ولولا شكايته لكان الوحي
مثل ما نزل أوّلاً، وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أحاديث زيد بن ثابت.
[١] صحيح البخاري: ٩|٤٦، كتاب الفتن.
[٢] صحيح مسلم:٧|٦٨، باب إثبات حوض نبيّنا.
[٣] صحيح مسلم: ٦|٤٢، باب سقوط فرض الجهاد على المعذورين؛ صحيح البخاري: ٤|٢٤ـ ٢٥، باب قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون) (النساء|٩٥).