الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٩ - ١ الفراغ من الاَمر الجبر
وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك باللّه والمعاصي كلّها بقضاء وقدر. [١]
أقول: لا يكتب هذا القدر الجاف الجافي على الانسان المسكين إلاّ متعنّت حنق، قاس، حقود بلا سبب ولا مبرّر، وبذلك ابتلي الكفار والعصاة بشقاء أبدي، ولا مجال ـ بعد ذلك ـ لرأفته ورحمته وإحسانه بل قدّر كلّ ذلك لآخرين بلا جهة ولا سبب، كما يقول اللّه تعالى ـ في زعمهم ـ في بعض رواياتهم: خلقت هوَلاء للجنة ولا أبالي وخلقت هوَلاء للنار ولا أبالي. [٢]
أخرج مسلم في صحيحه، عن جابر قال: سراقة بن مالك بن جُعشم قال: يا رسول اللّه بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم؟ أفيما جفّت به الاَقلام وجرت به المقادير ، أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفّت به الاَقلام وجرت به المقادير . قال: ففيم العمل؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : اعملوا فكلّ ميسّر. [٣]
إنّ قول الرسول في الرواية الاَُولى، أعني: «هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم فلا يزداد فيهم ولا ينقص منهم أبداً» أثار سوَالاً لبعض الصحابة، حيث قال: وفيم العملُ يا رسول اللّه إن كان أمر قد فرغ منه؟ فأجاب رسول اللّهبقوله: سدِّدوا وقاربوا.
ولكنّ الجواب لا صلة له بالسوَال، فانّ السائل يقول: إذا قُضي على أحد
بالجنة فمصيره لا محالة إلى الجنة بصورة قضية ضرورية، فعند ذلك يصير
تكليفه لغواً والعمل باطلاً بلا حاجة إلى التسديد والتقارب اللذين ركز عليهما
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «سددوا وقاربوا» خصوصاً بالنظر إلى ما بعده، حيث قال: «فانّ صاحب
[١] طبقات الحنابلة:١|٢٥.
[٢] بحوث مع أهل السنة والسلفية، ص ٤٧.
[٣] صحيح مسلم: ٨|٤٨. باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر .