الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٣ - آراء الفرق الإسلامية في تفسير هذا الحديث
كان تبياناً لكلّشيء، فلماذا لا يكون تبياناً لنفسه أيضاً ؟
وكيف يكون الواجب، الاعتقاد من دون فهم معناه؟ وما فائدة ذلك الاعتقاد إذا لم يعلم واقع المعتَقَد ومفهومه؟
ومذهب التفويض يلازم ترك البحث في قسم من الآيات الواردة في القرآن الكريم فكأنّها وردت للقراءة والتلاوة لا للفهم والدراية ولا للتدبّر والتفكر.
قال سبحانه: (أَفَلا يَتَدبَّرُونَ القرآنَ أَمْ عَلى قُلوبٍ أَقْفالُها) (محمد|٢٤).
الثالثة: المثبتة للصفات بلا تكيف: انّ هذه الطائفة تجري الصفات الخبرية على اللّه سبحانه بالمعنى المتبادر منها، لكن مع التنزيه عن التشبيه والتجنب عن التكييف.
قال الاِمام الاَشعري في الاِبانة: «وانّ اللّه استوى على عرشه»، كما قال: (الرّحمنُ على العرشِ استوى) [١] انّ له وجهاً بلا كيف، كما قال: ٥٤٣٢١وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والاِِكْرام) [٢] وانّ له يدين بلا كيف، كما قال: ٥٤٣٢١خَلقْتُ بِيَدَيّ) [٣] وكما قال: (بَلْيَداهُ مَبْسُوطَتان) [٤] وانّ له عيناً بلا كيف، كما قال: ٥٤٣٢١تَجرِي بِأَعْيُنِنا) [٥].(٦)
يلاحظ عليه: أنّ هذا المذهب جَمع بين الضدين أو النقيضين، فمن
جانب يحاول أن يجري الصفات بالمعنى المتبادر منها في العرف، ومن جانب
آخر ينفي الكيفية، ومن المعلوم انّ الجمع بينهما جمع بين الوجود والعدم، و
ذلك لاَنّ واقع اليد بالمعنى العرفي و هكذا العين بالمعنى اللغوي، يتقوّم بالكيفية
فنفيها في مورده سبحانه نفي لهذه الصفات بمعانيها العرفية، فكيف يُثبتها بمالها
من المعاني العرفية مع نفي الكيفية، لاَنّاليد مثلاً حقيقة في اليد بما لها من الكيفية فنفي الكيفية في
[١] طه: ٥.
[٢] الرحمن: ٢٧.
[٣] ص: ٧٥.
[٤] المائدة: ٦٤.
[٥] القمر: ١٤.