الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧٦
أقول: الضيافة سيرة عقلائية قامت على أساس تكريم الضيف الوارد وتبجيله واحترامه عن طيب نفس.
وأمّا إذا لم تكن مصحوبة بطيب النفس فتفقد الضيافة معناها، وتزيد في الطين بلّة إذا قام الضيف بأخذ حقّه من المضيِّف جبراً وعنفاً فهذا ينبت العداوة والبغضاء بينهما، فلا يصلح للاِسلام الداعي إلى الاَخاء والتسامح أن يأمر الضيف بأخذ حقّه من المضيف.
ولما كانت الرواية على خلاف الاَصل الثابت في الاِسلام، أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا يحلّ مال امرىَ مسلم إلاّبطيب نفسه» أو قوله: «الناس مسلّطون على أموالهم»، ذهب شرّاح الحديث إلى تأويله بتأويلات مجانفة عن الحق.
من حمله على المضطرين، أو تأويله بأنّ المراد من أخذ الحقّ هو الاَخذ من أعراضهم بالاَلسنة وذكر لوَمهم وبخلهم للناس والعيب عليهم وذمهم إلى غير ذلك من الوجوه الموَوِّلة.
والتأويل الاَوّل وإن كان لا بأس به في ذاته، لكنّه يخالف ظاهر الحديث، وأمّا الثاني فبعيدعن روح الاِسلام وهو أن يسوِّغ للضيف ذكر أخيه باللوَم، والاَخذ من عرضه بحجّة انّه لم يضيّفه، وقد ذكر الاِمام النووي تأويلات أُخرى.[١]
أضف إلى ذلك انّه يخالف ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي شريح
العدوي، قال: سمعت أُذناي وأبصرت عيناي حين تكلّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: من كان يوَمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته
قالوا: وما جائزته يا رسول اللّه؟ قال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام، قال: قال:
فما وراء ذلك فهو صدقة عليه.
[١] شرح صحيح مسلم، للنووي: ١٢|٢٧٥.