الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٤ - ١٩ النبي يوَذي ويجلد ويسبّ ويلعن من لا يستحق
محمد بشر يغضب» فتعرَّف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه إنسان عادي ربما يغضب بلا مبرّر ويلعن ويسب كذلك، وعندئذ تكون الرواية مردودة لوجوه:
١. لو صحّ الفرض يكون النبي عندئذٍ عاصياً في فعله غير معصوم من الذنب في هذه الحالة، ومرتكباً (العياذ باللّه) للقبيح وخارجاً عن طاعة اللّه سبحانه، فهل يجوز لمسلم أن ينسب إليه تلك الفرية الشائنة؟
كيف وهو أفضل الخليقة وأشرف أنبياء اللّه ورسله الذين وصفهم اللّه سبحانه بقوله:(غَيْرِ المَغْضُوبِعَلَيْهِمْ وَلا الضّالّين) ، (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِ والصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً)(النساء|٦٩).
٢. كيف تصف الرواية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه بشر يغضب كما يغضب البشر مع أنّ المروي عن طريق عبد اللّه بن عمرو خلافه.
روى عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُريد حفظه فنهتني قريش وقالوا:
أتكتب كلّ شيء تسمعه، ورسول اللّه يتكلم في الرضا والغضب، فأمسكت عن الكتابة، وذكرت ذلك لرسول اللّه، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج عنه إلاّ حقّ.
وفي رواية أُخرى: قلت: يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كلّه إلاّحقّاً. [١]
٣. كيف يسبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يلعن أو يجلد أو
يوَذي، وقد قال سبحانه:(وَالَّذِينَ يُوَْذُونَ المُوَْمِنِينَ وَالمُوَْمِناتِ بِغَيِْر مَااكْتَسَبُوا فَقَد احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الاَحزاب|٥٨).
[١] مختصر جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، باب الرخصة من كتاب العلم، ص ٣٦.