الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٢ - ٣ التجسيم في أحاديثه
ولنا مع هذا الحديث وتفسيره وقفة:
أوّلاً: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكلّم الناس على قدر عقولهم شأن كلّنبي، فهذه التأويلات التي ارتكبها الشارح مفاهيم لا يقف عليها إلاّ من توغّل في العلوم العقلية، وليس المخاطب إلاّ نظراء أبي موسى، فأين هوَلاء من هذه التأويلات؟!
ثانياً: انّ السُّبحة في اللغة تعني الدعاء، قال في اللسان : سميت الصلاة تسبيحاً، لاَنّ التسبيح تعظيم للّه وتنزيهه عن كلّ سوء [١] وتفسيره بنور اللّه ووجهه وبهائه شيء لا تدل عليها مادة الكلمة، وإنّما جرّهم إلى ذلك التفسير لاَجل جعل الرواية ذات مفهوم صحيح.
ونقل ابن الجوزي عن أبي عبيدة: لم نسمع السُّبُحات إلاّ في هذا الحديث. [٢]
ويظهر من المقاييس: انّه ليس لتلك المادة إلاّ معنيان، أحدهما جنس من العبادة والآخر جنس من السعي، فالاَوّل السُّبحة ومن هذا الباب التسبيح، وهو تنزيه اللّه جلّ ثناوَه عن كلّ سوء، وعلى ذلك فتفسير السبحة بالاَنوار لا دليل عليه في اللغة. [٣]
ثالثاً: انّ المتبادر من قوله من خلقه انّ «من» للتبعيض بشهادة قوله: «انتهى إليه بصره» فيكون خلقه أوسع من نور بصره.
وأنت إذا عرضت هذا الحديث على عربي صميم لم يشب ذهنه بهذه
المعارف، لفسَّر الحديث على وجه يلازم التجسيم، وليس في الحديث قرينة
على التأويل، وإلاّ لكان التأويل مقدماً على غيره.
[١] لسان العرب:٢، مادة سبح.
[٢] ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: ٢٠٢.
[٣] المقاييس:٥|١٢٥.