شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٥ - «الشرح»
..........
إنّه تعالى فوّض قبول أمره إلى العباد بمعنى أنّهم إن قبلوا أمره فهو مراد له و يثيبهم و إن لم يقبلوه بأن فعلوا خلافه فما فعلوه مراد له و يعاقبهم، و سنذكر عن مولانا أبي الحسن عليّ بن محمّد العسكري (عليهما السلام) ما يدلّ على بطلان التفويض بهذا المعنى، و من العجائب أنّهم يقولون: إرادة الشيطان لا مردّ لها و إرادة الرّحمن تتبدّل باختيارهم كما يرشد إليه ما يأتي في باب ما أمر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بالنصيحة لأئمة المسلمين «قدريّ يقول: لا يكون ما شاء اللّه و يكون ما شاء إبليس- الحديث»
(قال: فسئلا هل بين الجبر و القدر)
(١) يعني التفويض و قد عرفت أنّ القدر يطلق على التفويض أيضا
(منزلة ثالثة قالا: نعم أوسع ممّا بين السماء و الأرض)
(٢) الغرض من تشبيه هذه المنزلة المعقولة بالمنزل المحسوس و تفضيلها عليه هو الإيضاح و المبالغة في سعتها و سرّ ذلك أنّه تعالى لمّا علم من الخلق صنفين من الفعل و هما الخير و الشرّ ركّب فيهم آلتهما المؤثّرة الّتي هي القدرة و لم يخلق فيهم آلة الخير فقط و إلّا لكانوا مجبورين في الخير و الشرّ و إذا كان فيهم آلتهما كانوا قادرين عليهما و إذا كانوا قادرين اقتضت الحكمة حصرهم و تعبّدهم بإرسال الرّسل و تقرير الشرائع و توجّه الأوامر و النواهي ثمّ تداركهم بعد ذلك عند كلّ فعل و ترك بالألطاف و العنايات و التدبيرات و الاختيارات الّتي يشاهد بعضها في نفسه بعض العارفين و هذه منزلة عريضة [١] وسيعة طويلة لا يعلم أقطارها و نهاياتها و حدودها و غاياتها إلّا
[١] قوله «منزلة عريضة» توهم التناقض بين القضاء اللازم و اختيار الانسان أوجب توهم نفى الواسطة، و التحقيق أنه لا واسطة بين النفى و الاثبات لا بين كل مفهومين متخالفين و لا ريب أن الجبر و الاختيار متناقضان لا واسطة بينهما و لكن ليس الجبر مرادفا للقضاء بل القضاء بمعنى علم اللّه تعالى بما يقع و يمكن أن يعلم وقوع الفعل اختيارا و الحاصل أنه تعالى جعل لكل شيء سببا و علة كالشمس للاضاءة و النار للاحراق، فاذ اعلم أن الشيء الفلانى يحترق فلا بد أن يحترق فى الوقت الّذي تعلق علمه به بالنار التى جعلها علة له و لا يوجب ذلك أن يحترق بغير نار و يسلب العلية عن النار و كذلك اذا علم أن فلانا يموت بمرض جعله سببا لموته لا يوجب أن يموت بغير ذلك المرض و اذا علم أن فلانا يصير غنيا بكسب و تجارة أو بدعاء مثلا لا يوجب أن يغنى بغير ذلك السبب فلا يجوز لمن علم بخبر المخبر الصادق أنه يصير غنيا أن يترك الكسب و الدعاء فكما علم اللّه وقوع المسبب علم وقوعه بذلك السبب بعينه و اذا علم أنه يدعو و يكسب و يتجر باختياره لا يوجب ذلك أن يصدر عنه بغير اختياره، و هاهنا نكتة و هى أن الدعاء المأمور به المرغوب فيه فى جميع الاديان لدفع البلايا و جلب الخيرات لا يستلزم تغيير القضاء بل هو من القضاء الاول كما أشرنا إليه فيما سبق و لا يلزم منه القول بالبداء الباطل و لا يوجب القول بالقضاء الالهى ترك السعى و الكسب و البطالة كما يتوهم. (ش)