شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٨٦ - الحديث الثاني
لا ينقطع عنه موادّه، و لا ينال ما عند اللّه إلّا بجهة أسبابه، و لا يقبل اللّه أعمال العباد إلّا
بمنزلة التيجان للملوك لأنّهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرأس أو بالقلانس، و العمائم فيهم قليلة، و الوقار الحلم و الرّزانة، و تشبيهه بالتاج باعتبار أنّه زينة لصاحبه مثل التاج مع الإيماء إلى أنّه أولى بالملك و الخلافة.
قوله (و غشّاه من نور الجبّار)
(١) أراد بالنور العلم لاشتراكهما في رفع الحجاب و الايصال إلى المطلوب، و وضع الجبّار موضع الضمير للاشارة إلى أنّه بتلك التغشية جبر نقائص الخلائق و مفاقرهم و تلك نعمة عظيمة.
قوله (يمدّ بسبب إلى السماء)
(٢) [١] يمدّ على صيغة المعلوم حال عن فاعل غشّاه و فاعله فاعله، و «بسبب» مفعوله بزيادة الباء و السبب الطريق و أيضا الحبل الّذي يتوصّل به إلى الماء، ثمّ استعير لكلّ ما يتوصّل به إلى شيء. و قيل:
لا يسمّى الحبل سببا حتّى يكون أحد طرفيه معلقا بالسقف و نحوه يعني يمدّ اللّه سبحانه طريقا أو حبلا من نور إلى السماء كيلا ينقطع عن الامام أو عن نوره الّذي غشّاه به موادّ ذلك النور بل يفيض عليه من فضل اللّه تعالى أنوارا متجدّدة من ذلك السبب و يؤيّده ما سيجيء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «الامام إن شاء أن يعلم علم» يريد أنّ جهلهم عبارة عن عدم توجّه النفس فان توجّهت علمت من غير كسب و لا مشقّة و عنه (عليه السلام) «أنّ للأئمّة في كلّ ليلة جمعة علوما متجدّدة مستفادة و لو لا ذلك لأنفدوا» [٢].
قوله (و لا ينال ما عند اللّه إلّا بجهة أسبابه)
(٣) [٣] أي لا ينال ما
[١] قوله «يمد بسبب الى السماء» السماء هى العالم الروحانى و المجردات العقلية و المراد بالسبب هو الرابطة القوية الثابتة بينه و بين ذلك العالم حيث يفيض عليه من العلوم ما اراده اللّه و يبين به كل ملتبس و متشابه. (ش)
[٢] سيأتى الخبران فى باب أن الائمة اذا شاءوا ان يعلموا علموا، و باب ان الائمة يزدادون فى ليلة الجمعة.
[٣] قوله «الا بجهة اسبابه» و ذلك لان من يتوقف علمه على المقدمات المعروفة لا يحصل له شيء عند عدم حصولها و المحتاج الى التعليم لا يعلم شيئا الا بالتعلم و المتوقف على الفكر لا يحصل الا بعد ترتيب مقدمات الفكر و الناس لا يحصل فى ذهنهم صورة الكلى الا بعد ممارسة الجزئيات و تجريد الاشخاص عما يزيد على ماهياتها و لا يتعقلون الا بعد كمال الحس و التجربة و لا يعرفون اللون و الطعم و الرائحة و الصوت و غيرها الا بالحواس و لا لا يعرفون ما بعد عن حواسهم الا بالنقل المتواتر و لا ما خفى عن الحس من خواص الاشياء الا بالتجربة و يمتاز أهل الذكاء عن غيرهم بقوة الحدس فيستيقنون بامور لا يحصل لغيرهم منها و أما الائمة (عليهم السلام) فهم مؤيدون بالقوة القدسية فلا يحتاجون الى تلك المقدمات أصلا الا تقوية المرتبة الاخيرة و هى العقل بالفعل محضا و سبب علمهم ارتباطهم مع اللّه تعالى و افاضة نور علمه على قلوبهم و الا فكيف امكن لامير المؤمنين (ع) لو لا أنه امتاز بذلك السبب أن يأتى بادق مسائل التوحيد و الفلسفة و البراهين المتقنة و الادلة المحكمة عليها و من انصف من نفسه عرف أن هذا اشق و أعجز من شق القمر ورد الشمس و سائر المعجزات الكونية. (ش)