شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٤ - الحديث الخامس
ابن أيّوب عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا ابن أبي يعفور! إنّ اللّه واحد متوحّد بالوحدانيّة، متفرّد بأمره، فخلق خلقا فقدّرهم لذلك الأمر.
فنحن هم يا ابن أبي يعفور فنحن حجج اللّه في عباده و خزّانه على علمه و القائمون بذلك.
قوله (واحد)
(١) قال في النهاية: الواحد هو الفرد الّذي لم يزل وحده و لم يكن معه آخر. قال الأزهري: الفرق بين الواحد و الأحد أنّ الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد تقول ما جاءني أحد. و الواحد اسم بني لمفتتح العدد تقول: جاءني واحد من الناس و لا تقول جاءني أحد. فالواحد متفرّد بالذّات في عدم المثل و النظير و الأحد متفرد بالمعنى، و قيل: الواحد هو الّذي لا يتجزّى و لا يثنّى و لا يقبل الانقسام و لا نظير له و لا مثل و لا يجمع هذين الوصفين إلّا اللّه تعالى.
قوله «متوحّد بالوحدانيّة»
(٢) أي متفرّد بها، و الوحدانيّ المفارق للجماعة المتفرّد بنفسه و هو المنسوب إلى الوحدة أي الانفراد بزيادة الألف و النون للمبالغة.
قوله (متفرّد بأمره)
(٣) لعلّ المراد بالامر الأمر الشرعي و اللّه سبحانه متفرّد بتعيينه كمّا و كيفا و تقديره حدّا و وصفا لا يشاركه أحد في التعيين [١] و التقدير و التحديد إلّا أنّه خلق خلقا لتوضيح ذلك الأمر و بيانه للعباد و تبليغه إليهم ليهتدوا إلى مقاصدهم و يرشدوا إلى مراشدهم.
[١] قوله «لا يشاركه أحد فى التعيين» حمل الامر على التشريعى اذ لم يفوض أمره الى الناس حتى يستنبطوه بعقولهم كما مر بخلاف ساير ما يتعلق بمعاشهم و حوائجهم فى حياتهم و قد قسموا العلوم الى ثلاثة أقسام التعليميات و هى العلوم الرياضية كالحساب و الهندسة و ما يتفرع عليهما الثانى الطبيعيات كالطب و الزراعة و تربية المواشى و خواص الاشياء الثالث التشريعيات. و لم يختلفوا فى مسائل القسم الاول و الثانى غالبا لان فى الانسان قوة منحه اللّه تعالى اياها يقتدر بها على تميز الحق من الباطل فى التعليميات و الطبيعيات و من عثر من عقلاء أفراد البشر على شيء من تلك العلوم قدر على تفهيم غيره بحيث يقبل منه من غير تبطؤ و تتعتع و توافقوا غالبا فيها و لم يختلفوا و اشترك فيها الموحد و المشرك و المسلم و غير المسلم و الاشتراكى و الملحد و المتدين بخلاف القسم الثالث أعنى التشريعيات فاختلفوا فيها جدا بحيث لا يرجى اتفاقهم على شيء منها البتة اذا لم يعطهم اللّه قوة يميزون بها بين الحق و الباطل فيها يقينا و لم يزالوا فى شك و ترديد فى ما هو أحسن القوانين و أكمل الشرائع و أنفع أنحاء الاحكام و السياسات و أعدل أقسام الحكومة مع اعترافهم جميعا بان الحق فيها واحد ليس جميع ما يراه القبائل و الامم صحيحا و يجتهدون فى اصابة الحق و لم يجدوه و الاختلاف باق فى قوانين الارث و حدود المعاملات و أحكام الاملاك و شرائع النكاح و الطلاق و السياسات و وظائف الحكومة و أنها محدودة بشيء أو مطلقة أو يجب الاقتصار فى تصرفها على قدر الضرورة و الاصل استقلال الافراد و أمثال ذلك و هذا يدل على أن الامر فى التشريعيات ليس مفوضا من اللّه تعالى الى العباد و لو كان مفوضا إليهم لا عطاهم قوة يميزون بها بين الباطل و الحق صريحا و لا يختلفون كما لم يختلفوا فى قضايا الهندسة و لهذا الفرق بين التشريعيات و غيرها بعث اللّه النبيين و اعطاهم الكتاب و الشرائع للاحكام و لم يبعث نبيا لبث الطب و الهندسة و هذه آية بينة على تفويض هاتين دون تلك اذا المعلوم من استقراء الموجودات جميعا ثبوت عنايته تعالى بكل خلق خلقه فما من نبات و لا حيوان الا منحها اللّه تعالى من الآلات و القوى ما يستقيم به أمر معاشها و ما لها إليه حاجة و لم يحرمها الا مما لا حاجة لها إليه و لم يترك شيئا سدى، فان حرم الحيوان من تدبير الانسان و حنكته و آلاته و استعداده فليس ذلك الا لعدم حاجته الى نسج ثوب و خياطة ملبوس و طحن طعام و أمثال ذلك و كذلك حرم الانسان من قوة يجزم بها فى التشريعيات لانه يستغنى بتشريع اللّه تعالى و ارسال انبيائه عن التشريع بعقله و لا حاجة له الى التفكر فى تحقيق الحق فيها إلا ظنا و تخمينا. (ش)