شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٥ - الحديث الأول
إمضاء الحدود و الأحكام و منع الثغور و الأطراف، الامام يحلّ حلال اللّه و يحرّم حرام اللّه و يقيم حدود اللّه، و يذبّ عن دين اللّه و يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة و
بالأحكام بصيرا بأمر الحروب و تدبير الجيوش و سدّ الثغور و منع الأطراف و أن يكون له من قوّة النفس ما لا تهو له إقامة الحدود و ضرب الرّقاب و إنصاف من الظالم و إجراء الأحكام و الذّبّ عن دين اللّه و الدعاء إلى سبيله إذ بجميع ذلك يكمل نظام الأنام و صلاح الأيام و يحفظ بيضة الاسلام و هذه الشروط اعتبرها العامّة أيضا و جعلوها من الشروط المتّفق عليها بين الامّة و إن انتفى جلّها في إمامهم لاقرارهم بأنّ أئمّتهم لم يكونوا عالمين بجميع ما أنزل اللّه تعالى إلى رسوله (صلى اللّه عليه و آله) و أنّه (صلى اللّه عليه و آله) لم يخصّ أحدا من الامّة بالعلم بجميعه بل علم كلّ واحد بعضه و أنّ الامام قد يرجع في أمر من امور الدّين إلى غيره.
قوله (و توفير الفيء)
(١) توفير الفيء عبارة عن قسمته [١] على وفق القانون الشرعيّ و ترك الظلم في تقسيمه و عدم تفريقه في غير وجوهه كما فعله الثلاثة و من تبعهم.
قوله (و منع الثغور و الاطراف)
(٢) الثغر الموضع الّذي يكون حدّا فاضلا بين بلاد المسلمين و الكفّار و هو موضع المخافة من أطراف البلاد و الأطراف أعمّ منه.
قوله (و يذبّ عن دين اللّه)
(٣) الذّبّ الدّفع و المنع حذف مفعوله للدلالة على التعميم أي يدفع عن دين اللّه كلّ ما لا يليق به من الزّيادة و النقصان.
قوله (و يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة)
(٤) المراد بسبيل اللّه دينه الحقّ و بالحكمة العلم المحيط به الّذي أعطاه من فضله و بالموعظة الحسنة النصيحة الخالصة المذكّرة للعواقب المجرّدة عن الغشّ و الخشونة و بالحجّة البالغة البرهان القاطع الّذي لا يحتمل الشكّ و الشبهة و إنّما قيّد الدّعوة [٢] بثلاثة أشياء لأنّ الدّاعي
[١] بل ازدياد الدخل فانه يزيد بالعدل.
[٢] «قيد الدعوة» العلوم تصوريات و تصديقيات. و التصديقيات من جهة المادة على خمسة أقسام برهان و خطابة و جدل و شعر و سفسطة و لما كان الشعر و السفسطة غير مناسبين لشأن الحجة المنصوب من قبل اللّه تعالى امرهم بالدعوة الى سبيل اللّه بالحكمة و هى البرهان و الموعظة الحسنة و هى الخطابة و قال «جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» اشارة الى الجدل و كلام الامام هنا يشير الى هذه الثلاث. و الحجة البالغة هى الجدل و علم من ذلك أن وظيفة الامام فى المدينة الفاضلة ليست صرف حفظ النظم و دفع الهرج و المرج بل أهم من ذلك تعليم الآراء المحمودة و تقريرها حتى يعتقد الناس بها و يطيعوا امره بسهولة و هذا متوقف على كونه عالما إلهيا قادرا على التعليم بالبرهان كالحكماء و بالخطابة زيادة على ذلك اذ ليس كل حكيم قادرا على بيان الحقائق بلسان العامة كى يفهموا الحقيقة و لا يشمئز طباعهم عنها و قادرا على الاحتجاج بالجدليات افهاما للخصوم المعاندين و معلوم أن الجمع بين هذه لا يمكن تحققه الا فيمن ينصبه اللّه للخلافة و لم يتفق قط لمعاوية و عبد الملك بن مروان. فان قيل أى حاجة الى علم الامام بهذه الامور؟ و يكفى فيه علمه بالسياسة و تدبير الملك و جمع الفيء و تجنيد الجنود و حفظ الثغور و يفوض أمر التعليم و الاحتجاج الى العلماء الماهرين فيهما قلنا اما أن يشترط فى الامام كونه معصوما و اما ان لا يشترط فان اشترط فلا ريب انه يعرف ما هو وظيفته من غير خطاء و لا نتكلم فيه و ان لم يكن معصوما جاز أن لا يفوض الامر الى أهل الحق أو يمنعهم من المفاوضة و الاستدلال و الاحتجاج كما منعهم معاوية او يامر المتظاهرين بالعلم من اهل الدنيا كأبي هريرة بما يريد ترويجه و بالجملة لم نر من غير المعصومين المتصدين للخلافة ما شرطه الامام (ع) هنا و لا ما يستحسنه العقل و بعد اشتراط العصمة يرتفع هذه الشبهة بتا.
ثم ان قوله «يحرم حرام اللّه- الخ» يدل على ان إمامة المعصوم ليس بمعنى الحكومة المطلقة التى يستبشعها جميع الامم فانها مقيدة باحكام اللّه و ليس للامام ان يحكم الا بحكمه تعالى و حكم اللّه تعالى هو الّذي قبله العامة و اكثر رعاياه و آمنوا به و يرونه سعادة فى الدنيا و الآخرة و لا فرق بينه و بين الحكومة الدستورية التى يريها اهل زماننا احسن انواع الحكومة و الفرق أن الحكومة الدستورية مقيدة بآراء العامة و الحكومة الامامية مقيدة باحكام اللّه التى آمن بها العامة أيضا و هى احسن من الحكومة الدستورية البتة اذ اعتبر فيها مع رضا العامة موافقة احكامها لارادة اللّه الواقعية. (ش)