شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢ - (باب) (الجبر و القدر و الامر بين الامرين)
[تتمة كتاب التوحيد]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
(باب) (الجبر و القدر و الامر بين الامرين)
(١) هذا الباب في إبطال الجبر و القدر و إثبات الأمر بين الأمرين و الجبر في اللّغة الإكراه على الشيء تقول: جبّرته و أجبرته على فعل إذا أكرهته عليه و المراد، به جبر اللّه عباده على الأفعال و الأعمال بمعنى إيجاده إيّاها من غير أن يكون لهم مدخل فيها كما هو مذهب الأشاعرة، و القدر بالتحريك و التسكين يطلق على معان: منها ما سبق به علمه تعالى، و منها تقدير الأشياء بما لا يزيد و لا ينقص، و منها القدرة، و منها الوقت، و قد فسّر بهذه المعاني في قوله تعالى إِنّٰا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنٰاهُ بِقَدَرٍ كما صرّح به الآبي في كتاب إكمال الإكمال، و منها الكتاب و الأخبار كما في قوله تعالى إِلّٰا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنٰاهٰا مِنَ الْغٰابِرِينَ أي أخبرنا بذلك و كتبناها في اللّوح المحفوظ. و منها وضع الأشياء في مواضعها من غير زيادة فيها و نقصان كما في قوله تعالى وَ قَدَّرَ فِيهٰا أَقْوٰاتَهٰا. و منها التبيين لمقادير الأشياء و تفاصيلها. و هذه المعاني الثلاثة ذكرها شارح كشف الحقّ و غيره و إن دخل بعضها في السوابق. و منها إقداره تعالى عباده على أعمالهم على وجه الاستقلال بحيث يخرجهم ذلك عن ربقة الانقياد له و يبطل تصرّفه في تلك الأعمال حتّى لا يكون لقضائه و إرادته و قدرته و تدبيره مدخل فيها كإقدار سلطان منّا [١] أحدا من عباده على امور من بلاده بحيث يخرج التصرّف في تلك الامور بعده عن يد ذلك السلطان و عن تحت حكمه و تدبيره و القدر بهذا المعنى و
[١] قوله «كاقدار سلطان منا» و هم مبنى على تصور وجود الممكن مستقلا بنفسه غير متعلق بالواجب قياسا على الصانع و المصنوع الجسمانى، فكما أن السرير يستقل بنفسه موجودا بعد الصنعة عن النجار و يبقى زمنا طويلا بعد غيبة النجار بل بعد موته كذلك يتوهم جماعة أن الممكن بعد الوجود المستفاد من الواجب تعالى يستقل بنفسه و قالوا لو جاز على الواجب العدم لما ضر عدمه وجود العالم و بناء على هذا الوهم الفاسد زعموا أن الخواص و الآثار المرتبة على الموجودات و الافعال الصادرة عن الانسان و الحركات الصادرة عن الحيوانات منتسبة إليها فى نفسها و الامر مفوض إليها و الانسان مخلى و نفسه يفعل كل شيء أراد باختياره مستقلا و الحق أن الممكن وجوده وجود ربطى متعلق بالواجب كالنور للشمس لا يتعقل استقلاله ذاتا فكما ينسب الاضاءة الى الشمس أصلا و بالذات و الى المرايا بالواسطة كذلك لا مؤثر فى الوجود الا اللّه تعالى و كل شيء سواه فاعل بالواسطة كذلك و التفويض باطل كما أن الجبر باطل و فعل الانسان باختياره و ارادته و اختياره و ارادته و ساير صفاته بل ذاته و وجوده متعلق بالواجب تعالى و ارادته و مشيته و لا يستلزم الجبر الا اذا فرض الواجب و الممكن قسمين مباينين كل فى عرض الاخر مستقلين واحدهما يقهر الاخر على ما لا يريد و ليس كذلك. (ش)