شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٨ - الحديث الثالث
قلت. أجبني فيها، قال لي: سل، قلت: أ لك أعين! قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟
قال: أرى بها الألوان و الأشخاص قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟
قال: أشمّ به الرائحة، قلت أ لك فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم، قلت: فلك اذن! قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الصوت. قلت: أ لك قلب، قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: اميّز به كلّما ورد على هذه الجوارح و الحواسّ، قلت: أو ليس في هذه الجوارح غنىّ عن القلب؟
فقال: لا، قلت: و كيف ذلك و هي صحيحة سليمة؟ قال: يا بنيّ! إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب فيستيقن اليقين و يبطل الشكّ: قال هشام: فقلت له: فانّما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح؟ قال:
قوله (و إن كانت مسألتك حمقاء)
(١) الحمقاء بالفتح مؤنّث أحمق من الحمق بالضمّ و الضمّتين و هو قلّة العقل و سخافة الرأي، و حقيقته وضع الشيء في غير موضعه مع عدم العلم بقبحه، و إنّما وصف المسألة بالحماقة على سبيل التجوّز مبالغة في حماقة السائل.
قوله (قال لي: سل)
(٢) كأنّه أمر بالسؤال هنا مع عدم الحاجة إليه لتحقّقه سابقا للإشارة إلى أنّ مسألته لكونها في غاية الحقارة لم يلتفت الذّهن إليها سابقا.
قوله (قلت: أو ليس في هذه الجوارح غنى عن القلب)
(٣) الواو للعطف على مقدّر يعني أقلت هذا و ليس فيها عدم حاجة إلى القلب و لم يستقلّ في التمييز و التفصيل.
قوله (صحيحة سليمة)
(٤) أي صحيحة عن البطلان في ذاتها سليمة عن الآفات و الأمراض المانعة من إدراكاتها، و التأكيد أيضا محتمل.
قوله (أو سمعته)
(٥) لم يقل أو لمسة أيضا لعدم ذكر اللامسة في السؤال و لأنّ الشكّ فيها أقلّ، و لهذه العلّة أيضا لم يذكرها السائل.
قوله (و يبطل الشكّ)
(٦) مثلا إذا وقع الاشتباه بين الرّوائح في الإضافة أو في اختلاط بعضها ببعض أو في الشدّة و الضعف أو في الملايمة للطبع و عدمها و رفع أمرها إلى القلب [١] كان القلب
[١] قوله «رفع أمرها الى القلب» اطلاق القلب على النفس شايع لان سلطان الروح على القلب و منه قوله تعالى «مٰا جَعَلَ اللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» «وَ مٰا جَعَلَ أَدْعِيٰاءَكُمْ أَبْنٰاءَكُمْ» يعنى ليس للانسان تشخصان متمايزان و هويتان متغايرتان و ليس لبدن واحد روحان و نفسان حتى يكون بأحدهما ابنا لرجل و بالآخر ابنا لآخر، أو يكون المرأة باحد القلبيين اما و بالآخر زوجة، و القلب هنا هو العقل المجرد لانه الّذي يبين خطأ الحواس و لا يمكن ذلك الا بادراك الكليات اذ لا يمكن لحس ان يدرك مدركات الحس الاخر حتى يحكم بصحته او فساده و ليس وظيفة الحس الا التأثر لا الحكم. (ش)