خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٢٤٤ - تحقيق المطلب
فى ذلك أ لا ترى كلام صاحب هداية الابرار حيث قال الاحتياط و هو العمل بما يتقن معه براءة الذمة عند عدم وضوح الحكم الشرعى و اختلف فى وجوبه و عدمه فقال قوم يجب مط و قال قوم لا يجب مط و فصل آخرون فقالوا اذا علم اشتغال الذمة بشيء و لم يعلم بعينه وجب و إلّا فلا و يعلم من المحقق الميل اليه و اعلم ان الحيرة ان كانت فى نفس حكم من احكامه تعالى اثباتا او نفيا لعدم النصّ الواضح فيه بخصوصه او لوجوده مع اختلافه و عدم الرّجحان فيجب التوقف عن القطع بتعين الحكم اذ ليس لاحد ان يحلل و لا يحرّم غير اللّه و رسوله (ص) بامره و وحيه كما اذا تحيرنا فى وجوب حكم شرعى و عدم وجوبه كوجوب التسليم و استحبابه مثلا و لم يتعيّن حكمه عندنا بخصوصه فنفعله احتياطا لان براءة الذّمة لا تحصل يقينا الا بذلك و لا يقطع باحدهما لعدم العلم به و ان كانت الحيرة فى حال حكم من احكامه تعالى مما يتعلق بافعالنا فيجب فيه الاجتهاد فى تحصيل ما تبرأ به الذمة فان امكن تحصيل القطع به وجب و إلا كفى الظن و ذلك نحو ضرار الصوم للمريض و كون القبلة فى جهة المعيّنة و قيم المتلفات و اروش الجنايات و غير ذلك مما يتعلق بافعالنا من احوال الاحكام و صفاتها فان حصل علم او ظن عمل به و الا فيجب الاحتياط فيصوم المريض اذا لم يشعر بضرر الصوم و لم يجز له الطبيب الحاذق و يصلّى المتحير الى اربع جهات اذا لم يغلب على ظنه ترجيح احدها هذا كلامه ساق الدليل عليه من العقل و النقل الى ان قال و اعلم ان الاحتياط فى احكامه تعالى بما تحصل به براءة الذمة بيقين يكون بحسب البضاعة فى علم الفقه و الحديث و معرفة العبادات فيجب على المتحير الرّجوع الى من هو اعلم منه ان امكن لانّ الاحتياط يكون بحسب الامكان و مع العجز عن المراجعة و الغفلة عن ذلك فهو موكول الى ما يخطر بباله دفعا للحرج و رحمة من اللّه تعالى لعباده و فى الحديث اشارة الى ذلك مثل ظن ضرر الصوم بالمرض الموجب لجواز الافطار فانه تارة يكفى فيه ظن صاحب المرض لما يجده من نفسه فهو موكول فى ذلك و من هذا القبيل حفظ الامانات فانه يختلف باختلاف الاحوال و الامكنة و العادات و التجارات فيجب فيه الرجوع الى اهل الخبرة مع الامكان و الا فهو موكول الى ما يخطر بباله من وجوه الحفظ بحسب مقدوره و كثيرا ما يجب ضمان الامانة التالفة مع عدم الاثم لعدم معرفة الامين بوجوه الحفظ و الاحتياط فيه و كلما يجب علينا اجتنابه احتياطا لا يجب علينا النهى عنه و لا الانكار على فاعله لان العالم انما يجب عليه تبليغ ما علمه لا ما تردد فيه و انكار المنكر انما يجب مع العلم بكونه منكرا لا مع الشكّ فيه و ربما كان فاعله غافلا عن كونه لشبهته او عالما بجوازه دوننا نعم يجب علينا سؤاله اذا ظننا ان عنده منه علما يزيل عنا الشبهة كان يكون الفاعل من اهل العلم و التقوى هذا ما اردنا نقله و هو بالنظر الى اوائله ظاهر فيما ادعينا من انّ حزب الاخباريّين فى المقام على الاحتياط و ليس فى اواخره على ما عرفت ما ينافى ذلك و بالجملة فان كلامه كما يجرى فى المقام السّابق من مسئلة الشك فى الشرطية و الجزئية و المانعية كذا فى المقام و كذا يجرى فى صورة دوران الامرين المتباينين و صور الشبهات الموضوعيّة المصداقية للاقل و الاكثر الاستقلاليّين و المتباينين و بعبارة اخرى ما يكون الكلام فيه بالنسبة الى المجمل العرضى المصداقى و الظاهر ان ما فى هذا الكتاب المشار اليه ماخوذ من الفوائد المدنية لانه قد نسج على منواله الا ان الفوائد لم يحضر عندى الآن فهذا الذى اشرنا اليه هو ما تعطيه القواعد الاخبارية فلا يبعد دعوى ان قاطبة حزب الاخباريّين فى هذه المقامات على الاحتياط و لا ينافى ذلك قول صاحب الوسائل و لا يجب الاحتياط بمجرّد احتمال الوجوب بخلاف الشك فى التحريم فيجب الاحتياط و لو وجب الاحتياط فى المقامين لزم تكليف ما لا يطاق و لا ارجاعه اخبار البراءة الى صورة الشك فى الوجوب و لا حكاية غير واحد اجماع الاخباريّين على حجية اصل البراءة و نحوه من اصل العدم فى الشبهة الحكمية الوجوبية و الموضوعيّة مط لان ذلك فى غير هذه المقامات المشار اليها و هو مقام عدم السّبق بالعلم اجمالا بالنسبة الى خصوص الواقعة و القرائن من كلماتهم على ذلك غير
عزيزة و الحاصل ان المقامات التى صار حزب من الاصوليّين [١] فيها مما لا ينبغى ان يرتاب فى ان مذهب الاخباريّين فيها الاحتياط و كذا هذا المقام و لكن لم يظهر عندى الى الآن من الاصوليّين ممن يعتد بكلامه من حذقة الفن على النهج المذكور قول بلزومه فيه نظرا الى احتمال كون المراد من القوم المشار اليهم فى كلام المحقق حزب الاخباريّين نعم قد يظهر من البعض دعوى عدم الخلاف فى لزوم الاحتياط فيما نحن فيه و ما يشبهه من المقام السّابق و المقام الآتي الا انك ستعرف انه من الغفلات الواضحة و كيف فالحق حجّية اصل البراءة [٢] فنحن فيه فى سعة عن مئونة تجشم الاستدلال عليه و فى نسخة عن كلفة النقض و الابرام لان كل ما ذكرنا فى المسألة [٣] يجرى فيه الا ما لا يسعه المقام من الوجوه المختصة بالارتباطيات من استصحاب صحّة الاجزاء السّابقة على النهج المقرر المذكور المندفع به قضية الدّور و نحو ذلك بل للاستصحاب ايضا فى المقام تمشية و ذلك بملاحظة ان هذا النزاع كما يجرى فى التوصّليات كذا يجرى فى العبادات لكن بعد فرض كون المشكوك فيه من الواجبات النفسية التعبّدية كالقول بوجوب التسليم فى الصّلاة على القول بانه كل فجريان الاستصحاب و الاحتياج اليه انما بالبناء على ان الامر بالشيء يقتضى النهى عن ضده الخاص و التقريب بملاحظة الاجزاء
[١] الى الاحتياط
[٢] و نحوه فى المقام
[٣] السابقة