خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٢٩٣ - المقام الاوّل فى أنه هل يمكن تخصيص قاعدة نفى الحرج ام لا؟
الا ان ذلك من الضعاف فيحمل ما فيه على نفى الضيق و العسر فاذا تمهّد هذه المقدمات فلنشرع فى المقامات
المقام الاوّل: فى أنه هل يمكن تخصيص قاعدة نفى الحرج ام لا؟
فالمقام الاوّل فى بيان ان اصل نفى العسر و الحرج هل هو من القواعد الغير القابلة للتخصيص و بعبارة اخرى هل هو من الاصول المسماة باصول المذهب مثل الحر لا يصير رقا ام من القواعد القابلة اياه ام من الاصول الاولية الغير المقاومة لمعارضة دليل من المنجزات و ان كانت من قبيل العمومات او المطلقات كاصل الاباحة و اصل البراءة فاعلم ان المسألة مع كونها من المعضلات و المهمات لم يحرر الى الآن الكلام فيها غاية التحرير و لم يبين فيه المرام غاية التوضيح فاقول قد اختلف كلمات الفحول و اضطرب مقالات اساطين الاصول ممن تعرض لبيانها فى تحقيق الحال و بيان المقال فى ذلك فظ جمع بان ذلك من قبيل القسم الاول و هو مصرّح السيّد الاجل الطباطبائى صاحب الدرة المنظومة الغروية فى الفقه لكن قد يعطى كلامه التفرقة بين مطلق العسر و الصّعوبة و بين الصعوبة المفضية الى حدّ الحرج و بعد امعان النظر فى مجامع كلامه يظهر ان هذه باعتبار جريان بعض الادلة التى ذكرها و عدمه و كيف كان فقد تبعه فى ذلك بعض المعاصرين من غير اشارة الى الفرق بين القسمين المذكورين آنفا و المذهب الآخر فى المسألة انه من الاصول الاولية و هذا القول و ان لم اجد مصرّحا به إلّا انّه قد يتراءى من بعض كلمات البعض و قد يعطيه كلام المحقق الثالث فى بادى النظر إلّا انه ممن صرّح بخلافه و مذهب طائفة انه من قبيل القواعد القابلة للتخصيص كسائر القواعد و العمومات و هو مختار بعض افاضل المعاصرين بل يمكن ان يقال انه مذهب الاكثر كما لا يخفى على تتبع احتجاج الفقهاء به و تامّل فى طرز احتجاجهم به و من الاصحاب من يقول ان نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق و الا لزم رفع جميع التكاليف و هو الشيخ الحر العاملى (ره) فى فصوله المهمة حيث عقد فى هذا الكتاب لبطلان تكليف ما لا يطاق و انه لا حرج فى الدّين بابا ثم [١] فى آخر الباب هذا الكلام هذا و يمكن ان يكون مرجع هذا الى كونه من قبيل الاصول الاولية لكن دقيق النظر يعطى بين الامرين ثم الظاهر من كلمات هؤلاء الفرق و اصحاب تلك المقالات قاطبة عدم الفرق فيما صاروا اليه و فيما اختار كل فرقة مذهبه بين اشخاص المكلفين باعتبار ملاحظة مراتبهم و درجاتهم فى الايمان و الزلفة و القربى كعدم الفرق فى ذلك بين مراتب الصّعوبة و الحرج الا محتمل كلام السيّد الطباطبائى فى الاخير على ما مر اليه الاشارة إلّا انه محتمل بعيد من كلامه كما تعرف وجهه هذا و لكن قد وقع هنا لبعض مشايخنا تفصيل يفرق بين الموارد و به يصير هذا الاسل ذا وجوه كما ستطلع على ذلك و التقسيم الذى اوردناه فى المقدّمة الثالثة مما يحتاج اليه فيما بنى عليه الامر و بالجملة فقد بان ان المسألة مخمسة الاقوال بناء على ان تفصيل الطباطبائى انما هو بالنسبة الى الدليل و ان قول الشيخ العاملى غير راجع الى انه من الاصول الاولية حجة القول الاول ما اشار اليه السيّد الطباطبائى (ره) حيث قال على ما حكى عنه و ليس المراد ان الاصل نفى الحرج و ان الخروج عنه جائز كما فى ساير العمومات الواردة فى الشريعة اما على تقدير اختصاص رفع الحرج بهذه الشريعة فظ و الا لزم ان تكون مساوية لغيرها فى الاشتمال على الحرج و الضّرر و الفرق بالقلة و الكثرة تعسف شديد و اما على العموم فلاجماع المسلمين على ان الحرج منفى فى هذا الدين و لان التكليف بما يفضى الى الحرج مخالف لما عليه اصحابنا من وجوب اللطف على اللّه تعالى فان الغالب ان صعوبة التكليف المفضية الى تبعد عن الطاعة و تقرب عن المعصية بكثرة المخالفة و لان اللّه تعالى ارحم بعباده و أرأف من ان يكلفهم ما لا يتحملونه من الامور الشاقة و قد قال اللّه سبحانه و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها هذا كلامه و قد احتذى حذوه بعض المعاصرين فقال نفى التكليف بالمحال يعم ساير المذاهب و الاديان و اما التكليف بما فيه عسر و حرج فمنفى فى شريعتنا و يدل عليه بعد الاجماع الآيات و الاخبار فالمستفاد منها قاعدة كلية هى انه تعالى لم يكلف هذه الامة بالتكاليف الشاقة و انما كلفهم بما دون الطاقة فكل حكم يؤدى الى العسر و الحرج بالنسبة الى اكثر موارده و اغلب افراده مرتفع عنا اصلا حتى بالنسبة الى الموارد التى لا يترتب عليه فيها عسر و حرج اذ اناطة الحكم ح بصورة تحقق العسر و الحرج مؤدية ايضا
الى العسر و الحرج أ لا ترى انه لو اجيز لنا الاكل و الشرب و نحوهما بقدر ما يندفع به العسر و الحرج لأدّى الى العسر و الحرج و اما الاحكام التى لا تؤدى الى ذلك الا نادرا ففيها مقصور على الموارد التى يتحقق فيها العسر و الحرج فلا يتعدى الى غيرها و لا فيها الى ما يزيد على قدر الضرورة الى ان قال ثم انه لما كان المستفاد من الآيات و الاخبار المتعلقة بالمقام ان القاعدة المذكورة مطردة فى جميع جزئياتها غير مخصّصة فى شيء من مواردها ليتم المنة على هذه الامة من بين الامم برفع الاصر عنهم كما سيأتي التنبيه عليه فربما توجّه الاشكال عليها باعتبار ان جملة من الافعال الشاقة قد ثبت التكليف بها فى هذه الشريعة فلا بد من التنبيه عليها و على رفعها هذا ثم ان هذا القائل قد اشار الى بعض من هذه الامور الشاقة من الجهاد و من مجاهدة [٢] فى اختيار ذى الحقّ و ان كان مشقتها بالنسبة الى البعض أشق من اتلاف النفس و من وجوب دفع النفقات و الصّدقات على من يتناهى فى النجل و شح النفس و من تمكين النفس من القصاص و الحدّ فى موارد وجوب التمكين منهما ثم اجاب عن الاول تارة بما حاصله ان الاقتحام فى الحروب ممّا يستسهل اكثر الناس لدفع الغار عن نفسه و مثله و كيف لا يستسهل فى إعزاز الدّين و حفظ بيضته مع ما فيه من رجاء الفوز العظيم و بالجملة
[١] قاله
[٢] النفس