خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٠٧ - فى الجواب عن ادلّة المنكرين
لطف بل لاجل الاتكال على الظهور و الاكتفاء بذكر احد المتلازمين ثم انه لم يذكر فى جوابه الا المنع المحض عن قبح العقاب بدون اللطف مط فكيف يصغى الى مثله خصوصا اذا كان المستدل على طبق ما يقتضيه القواعد العدلية و ما عليه اتفاقهم من وجوب كل لطف و قبح العقاب بدون اللّطف و عدم حسن التكليف الا باللّطف الا ما اشرنا اليه فى السّابق من القول الثانى و كيف كان فكل لطف مما هو لازم فى التكليف عند المستدل فعلى المجيب الجواب بحيث يرفع هذا و انى ما ذكره من ذلك فت فالحق فى الجواب هو ان يقال ان تاسيس اصل اللطف و ما ضاهاه من قبح العقاب بدون اللطف و نحو ذلك و وجوبه مبنى على اتمام قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين لا بمعنى محض ادراك العقل بل على حجيته و كون احكامه احكاما واقعية فاذا لم يكن مدركات العقل حجّة شرعية كما انّه حجة عقلية سقط بحث وجوب اللطف و نحو ذلك مما يتفرع على القاعدة على النهج الذى اشرنا اليه ثم ان كلام اصحابنا المتكلمين لم يزد على ان النبوة مما يتعاضد به العقل فما دل عليه العقل يستفاد منه الاحكام الواقعية فيما لم يدل عليه فنقول ان اللطف فى التكاليف العقلية هو التعاضد بالنبوة و بمطلق التكليف السّمعى لا بورود شيء على طبق ما حكم به العقل بالخصوص و بالجملة فبعث النبى (ص) و نصب الائمة (ع) و ورود التكاليف السّمعية و العمومات الدالة من الكتاب و السّنة على اتباع العقل و حجية احكامه من الالطاف فيقبح العقاب بدون ذلك و اما توارد النّقل على طبق ما حكم به العقل بالخصوص و ليس من الالطاف المصطلحة بل انّ ذلك من التفضّلات فان سمى احد مثل ذلك بمثل هذا فقد عرفت انه اطلاق خارج عن الاصطلاح فلا يترتب عليه الآثار و الاحكام فقد بان من ذلك كلّه صحّة احتجاجنا بعين ما احتجّ به الخصم فهو دليل لنا لا للخصم على انه يمكن ان يقال ان ما ذكره المستدل لا يضرّنا و ان فرضنا ان المستفاد من كلام المتكلمين هو اعتبار التوارد فى التعاضد و كونه من الالطاف المصطلحة و قبح العقاب بدون ذلك و ان هذا مما عليه اتفاقهم اذ غاية ما يستفاد من ذلك عدم حسن العقاب بدون ذلك و انى هذا من الدعوى التى ذكر لاجلها الدليل من ان الاحكام العقلية ليست باحكام شرعية فت ثم ان من ادلة المنكرين ايضا هو ما اشار اليه استنادنا الشريف (قدّس اللّه تربته) و هو خبر أبان بن تغلب و فيه ما تقول فى رجل قطع اصبعا من اصابع المرأة كم فيها قال عشرة من الابل قلت قطع اثنتين قال عشرون قلت قطع ثلاثا قال ثلثون قلت قطع اربعا قال عشرون قلت سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلثون و يقطع اربعا فيكون عليه عشرون الخ الحديث و التقريب من وجوه الاوّل انّ وقوع النصّ كالاجماع على خلاف ما حكم به العقل فى هذه المسألة يكشف عن عدم حجية احكامه فى مرحلة الظاهر الثانى ان المعصوم (ع) قد حكم و نصّ بان العمل بمثل هذا الحكم العقلى يوجب هدم الشريعة الثالث قد نصّ بان مثل هذا من الاحكام العقلية من القياس فيشمله الادلة الدالة على حرمته فان قلت ان استبعاد أبان لم يكن باعتبار العقل بل باعتبار دلالة اللفظ بتقريب انه لما لاحظ حكم المعصوم (ع) بقطع ثلاثة اصابع على ثلثين زعم ان مقتضى دلالة هذا اللفظ كون الحكم ثابتا لقطع ثلاثة على سبيل اللابشرطية فلما اجاب (ع) بما اجاب استبعده من حيث زعمه انّه خلاف ما يستفاد من كلامه (ع) او لا قلت ان هذا لا يساعده قول أبان ان هذا من الشيطان و لا قوله (ص) مهلا يا أبان هذا حكم رسول اللّه (ص) الخ اذا عرفت هذا فاعلم انه لم يعهد تمسّك احد من منكرى حجية العقل بهذا الخبر فى كتاب من كتب الاصول نعم يستفاد من كلام بعضهم كلية يمكن ان يندرج مثل هذا الخبر تحتها من ان الشرع قد حكم بقبح بعض ما كان حسنا عند العقل بالبديهة و حسن بعض ما كان عنده قبيحا كل و من ذلك النّهى عن الاسراف فى استعمال الماء و لو على شاطئ البحر و طلب المتيمم الماء مع علمه بعدمه و نحو ذلك و من ذلك ايضا الاعمال الكثيرة فى الحجّ من كشف الرءوس على رءوس الاشهاد فى الحرّ و البرد و المطر و الرّيح و الهرولة و رمى الجمار و امرار السّكين على راس الاقرع و نحو ذلك فكيف يكون مثل هذا حجة هذا
و انت خبير بان التقريب فى الاستدلال على النهج الذى اشرنا اليه يكشف عن ان الاستدلال بالخبر لا يندرج تحت ما اشير اليه و لا الى تحت ما ذكره بعض المنكرين فى الاستدلال على عدم الحجية من ان العقل يحكم بانه يبعد من اللّه وكول بعض احكامه الى مجرّد ادراك العقول مع شدة اختلافها فى الادراكات و الاحكام من غير انضباطه بنصّ و شرع فانه يوجب الاختلاف و النزاع مع ان دفعه من احدى الفوائد فى ارسال الرسل و نصب الاوصياء نعم يمكن بالتكلف اندراجه فى الاول كما يمكن بذلك فى الثانى
فى الجواب عن ادلّة المنكرين
و كيف كان فنحن نجيب عن الكل بعون اللّه و قوته اما عن الخبر على التقريب الاوّل فبان غاية ما يستفاد منه وقوع الخطاء فى حكم العقل و هو بعد كشف خطائه ليس بحجة و هذا كما ترى مما لا يضر القائل بالحجّية فى مرحلة الظاهر ما لم يكشف خطائه على ان الاستفادة هنا تبعيّة و ان كان العقل فى المستفاد ادراكه على الاستقلال و حريم النزاع فيما كان العقل يستقل فى الاستفادة و المستفاد و اثبات المطلب بالاجماع المركّب مما لا وقع له لانه لم يظهر من القائلين بحجية العقل دعوى حجية فيما كانت الاستفادة تبعية بل قد ظهر خلافه كما لا يخفى على من امعن النظر فى مقالة الاصوليين فى بحث مقدمة الواجب و حريم نزاعهم فى ذاك المبحث من انه فى الواجب الذى يترتب عليه الثواب و العقاب بحسب الفعل و الترك بحسب امر الشارع به لا الوجوب العقلى التبعى فانه مما لا خلاف فيه فى وجوبه بهذا المعنى مع انهم لا يجرون احكام الوجوب المستفاد من امر الشارع عليه هذا بعد الاغضاء عن انه لا يقاوم لمعارضة ما تقدّم من الادلة و الا فالامر اوضح و اما على التقريب الثانى فنقول لا بد من حمل استبعاد أبان و استيحاشه