خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٦٠ - فى الاستدلال بخبر كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهى
من الاشياء التى بين لى حلها و حرمتها محرما الا كذا و كذا و انما لم يفصل الحلال بل فصل الحرام لقلة الثانى و كثرة الاول فاقتضى مقام البلاغة ذكر الثانى ليعلم ان ما يغايره من القسم الاول و هذا المعنى و ان كان فى الثمرة و هى اباحة كل ما سوى المذكورات بعد الاستثناء كما لمعنى الاول و لكنه لا يفيد كون الاباحة هو الاصل المركوز فى العقول بل يفيد ان اللّه تعالى اباح ما سوى المذكورات فيثبت الاباحة الشرعية هذا و قد تنظر فيه البعض بان ما ذكر انما يناسب ما لو كان الكلام هكذا قل ليس فيما اوحى الى الخ و اما قوله قل لا اجد فيشعر بان سبب الحل عدم وجدانه لا البيان بالوحى هذا و فيه نظر جلى فالحق الانتصار للترقى المذكور ان يقال ان هذا هو المستفاد من ملاحظة كون الخطاب لمن لا يتديّن بالشرائع فلا يحسن الرد و الانكار عليهم الا بثبوت الاباحة و كونها مركوزة فى العقول فيكون المعنى الاشياء على اصلها الاولى المركوز فى العقول الا ما اخبر اللّه تعالى بحرمته فما لكم تخالفون لمركوزات العقول بالحكم بحرمة ما لم يخبر اللّه بحرمته و بالجملة فالآية ادل دليل على المط و منها قوله تعالى ليس على الذين آمنوا و عملوا الصّالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصّالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و احسنوا ان اللّه يحب المحسنين و التقريب بعموم ما فيه و دعوى ان ما فى الآية مختص بمن جمع الصّفات المذكور فيها و بالطعام الذى طعموه قبل نزولها مما ليس فى مخره اذ العبرة بما يستفاد من الآيات من العموم فلا اعتبار بخصوص السّبب و الا لم يخبر التمسك باكثر الآيات المستدل بها فى ابواب الفقه و الاصول فلا فرق فى ذلك بين ان يكون سبب نزولها ما يناسب طريق الخاصة و اخبارهم من انها وردت فى قوم من المؤمنين كانوا سلكوا طريق التزهد و الترهب و بين ان يكون ما عليه اكثر العامة من انها وردت فى قوم من المؤمنين كانوا سلكوا طريق التزهد و الترهّب و بين ان يكون سبب نزولها ما يناسب طريق الخاصّة و اخبارهم بعد تحريم الخمر و بعد سؤال الاصحاب بقولهم فكيف باخواننا الذين ماتوا و هم يشربون الخمر و ياكلون مال الميسر يا رسول اللّه (ص) و بالجملة فالتعويل على ما يفيده الآية بظاهرها و لا يقدح فيما قررنا كون الافعال فيها بصيغة المضى و هذا ظاهر و نظائر ذلك كثيرة على ان ثبوت ذلك فى حق جمع ممن اتصف بالصفات المذكورة يثبت المط لادلة التشريك من الاخبار و الاجماع ثم اذا ثبت فى الطعام من الماكول و المشروب ثبت فى ساير الافعال من اللمس و الشم بعدم القائل بالفرق و الاولوية و تكرار بعض الالفاظ فى الآية مما لا يقدح فيما قررنا كما انه لا يؤيده و المتكفل لبيان سره علم البلاغة و علم التفسير فالنكتة فيه غير غريزة نعم فيها شيء مما يوهم القدح فيما قررنا فى الجملة و هو ان عطف الايمان على الاتقاء قاض بدخوله فى شرط نفى الجناح عن المباح و ذلك يستلزم ثبوت الجناح على الكافر فى المباح هذا و مع ذلك فلا قدح لما ذكر فيما قررنا بعد امعان النظر لان الاثبات فى الجملة كاف لنا على انه يمكن التقدير مما يصح به التعميم و انه يمكن ان يقال ان الايمان ليس بداخل فى الشرط حقيقة و انما عطفه عليه لاشتراكهما فى الوجوب توسعا فى البلاغة بما يستقر به الفصحاء و يستحسنه العقلاء البلغاء هذا و منها قوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً و قد مرّ تقريب الاستدلال به فى بحث الاباحة العقلية فما صدر عن البعض من انه ليس فيه لفظ دال على العموم فى الانتفاع و على تقدير عمومه يكفى فى مقام الامتنان اباحته تعالى جميع الانتفاعات و لو كان بعضها عند الاضطرار لان منع عدم المضطرين نعمة و منة عليهم و يؤيد ذلك منع الباغى عن الانتفاع بالميتة فى حال اضطراره فمما ليس فى محلّه فبأدنى الالتفات يظهر ردّه و مثل ذلك اختصاص الانتفاع بالاستدلال على وجود الصانع و توحيده و اثبات صفات له و نفى صفات عنه و الاحاديث الواردة فى تفسيره بانه خلق لكم ما فى الارض جميعا لتعتبروا به مما لا يقدح فيما قررنا لما ذكرنا فلعل الاختصاص فى الاخبار بالنظر الى ملاحظة الاهم الاعظم و منها قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ* و منها قوله تعالى إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ و قد مر التقريب
فيهما و منها قوله تعالى قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ و منها قوله تعالى مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ و منها قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً و منها قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و لعلّك تقدر بالتامل فيما قررنا على دفع ما يرد على الاستدلال بهذه الآيات و منها قوله تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فمن يستدلّ به فلا بد ان يقول فى معناه انه نفى التحريم و الوجوب بالاخبار عن العفو عن المؤاخذة عن كل ما يفعله المكلف او يتركه مما لم يستقل بادراكه العقل الى زمان وصول اليه و اما من استدل به على حجية اصل البراءة و دفع الاشكال الوارد عن جهته من قبل المنكرين للتطابق و التلازم على مثبتية بجواز العفو فقد وقع بين كلاميه تناف و تدافع جدا و القول بان من فعل كل فلعله اراد نفى الوجوب و التحريم بالمعنى الذى اثبته الخصم فانه لا يلتزم بكونه ذنبا موعودا عليه بالعقود و عدم المؤاخذة و لو مع الاصرار بل يجعله كغيره من الذنوب مما لا يجدى فى الانتصار بل يزيد الشناعة و البشاعة فت
فى الاستدلال بخبر كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهى
ثم ان الاخبار الدالة على المط فى غاية الاستفاضة بل لا يبعد دعوى كونها متواترة معنوية فمنها ما رواه الصّدوق فى يه عن الصّادق (عليه السلام) فى باب جواز القنوت بالفارسية و هو قوله كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهى و قد رواه الشيخ ايضا و فى روايته امر و نهى و التقريب واضح و حمل المط على كل حكم عام او مطلق او حمل ما فى الخبر على الشبهة الموضوعية او على ما يحتمل الوجوب و الاباحة او على ما قبل اكمال الشريعة او على صورة ما يعم به البلوى او قبل البعثة او على التقية من التاويلات و التكلّفات البعيدة مع ان جملة مما ذكر مما لا يصح ارادته جدّا و المناقشة بالارسال