خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٨٣ - فى توجيه كلام الحاجبى و العضدى
خاليا عن جميع ذلك الاستحقاق فح يكون مستحقا فيه البتة و عقد الكلام ان المسلم هو حكمه بان بعض الافعال مستحق للثواب اى بحيث لو اثيب فاعله مع قطع النظر عن جميع الاشياء لما كان فى غير موقعه و بان بعضها مستحق للعقاب بحيث لو عوقب فاعله به لما كان ظلما هذا و انت خبير بعدم انتساق هذا الكلام و اختلال انتظامه و ليس الا كالثياب الخلقة كلما خيطت من جانب تهتكت من جانب آخر فيرد عليه اولا ان القول باستقلال العقل فى تعلق المدح و الذم دون الثواب و العقاب مع مشاهدة الافعال فى مراتب الحسن و القبح متفاوتة فى الشدة و القوة و الضعف مما لا يتفوه به العاقل و ثانيا ان اضرابه و اثباته الاستقلال و الاستحقاق مع عدم ملاحظة الوعاء و النشاة من الدنيوية و الاخروية الا فى الصورة التى اشار اليه مما لا معنى له و ثالثا ان تسليمه استقلال العقل فى اثبات مطلق المعاد بل خصوص الروحانى اذا لوحظ امر اللّه تعالى بالاشياء و نهيه عنها نظرا الى ما ذكر دون غير ذلك امر اغرب اذ استقلال العقل فى ادراك وجوب بعض الاشياء او حرمة بعضها عنده ينبعث منه حكمه بالوجوب و الحرمة عند اللّه تعالى ايضا و ان لم يصل منه امر و نهى ظاهريان ببعث الرّسل فان قلت ان هذا انما يتجه بعد اثبات الملازمة بين الوجوب العقلى و الشرعى قلت ثبوت الملازمة كما تطلع مما لا شك فيه فهذا القائل الذى يريد عدم استقلال العقل فى اثبات المعاد الروحانى اذا قطع النظر عن امر اللّه و شرعه فان كان يزيد عدم الاستقلال حتى على تقدير ثبوت الملازمة ففساده اظهر و ان كان مقصوده عدم الاستقلال فى امر المعاد الروحانى لعدم ثبوت الملازمة فيؤاخذ بان هذا ليس مما يصير اليه اهل التحقيق من الاصوليّين من الامامية و المعتزلة و الاشاعرة اذ لا فائدة فى المبحث الا اثبات الحكم الشرعى من العقل و كلامهم الحاكم اما عقل او شرع كما عليه الامامية و المعتزلة او شرع فقط كما عليه الاشاعرة شاهد حق بذلك بل ان بعض الفحول قد تصدر العنوان بان معنى ما يستقل به العقل هو انه كما يدرك العقل حسن بعض الاشياء بالمعنى المعروف و يحكم بانه واجب عقلا كذا يحكم بانه واجب عند اللّه تعالى و ان لم يصل منه امر فهذا صريح فى خلاف مدعى هذا القائل على انه لا معنى معقول لهذا الكلام بعد الاذعان بان دليل العقل من جملة موضوع علم الاصول و انه من ادلة الفقه و بالجملة اذا لوحظ تفاوت الافعال بحسب الحسن و القبح و ان بعضها لا يساويه فى مقام الجزاء و المدح و الذم بل الثواب و العقاب فى العاجل و اضيف الى ذلك ملاحظة موت الفاعل بعد صدور الفعل و قبل حصول المجازاة الدنيوية ظهر استقلال العقل فى اثبات مطلق المعاد او الروحانى و ان قطع النظر عن وصول الامر الشرعى الظاهرى فهذا ايضا من ثمرات المسألة و فوائده يحكم به عقل كل عاقل و يكون له وسيلة الى اثبات المعاد فى الجملة و ترتب الثواب و العقاب فيه من غير احتياج الى معرفة مقدمات الفلاسفة التى على فرض تماميتها غير نافعة فى مثل المقام فقد بان من ذلك كله ان ذكر الثواب و العقاب و العاجل و الاجل مما فى محلّه نعم حذف ذلك لتعميم المبحث حتى يشمل فعل اللّه تعالى مما فى مخره و مع ذلك فالابقاء مع ارادة التعميم بالتنوير و العناية اولى و احسن و فوائده اكثر و أتم
فى المراد من المدح و الذم مدح اللّه او مدح العقل
اذا عرفت هذا فاعلم ان المراد من المدح و الذمّ فى محل النزاع هو مدح العقل لا مدح اللّه تعالى و ما يستفاد من الحاجبى و العضدى حيث قالا لا يحكم العقل بان الفعل حسن او قبيح فى حكم اللّه تعالى تبعا لبعض شراح التجريد من ان المراد مدح اللّه ليس ليس بجيّد اذ المقام مقام حكم العقل و مدحه و المراد من العقل العقل الخالص الذى لا يتعلق الشبهة بخطاء احكامه و لعل سر العدول لاجل ان حكم العقل ربما يكون حظا و انت خبير بان هذا الاحتمال مثل احتمال ان العقل ربما خطا فى حكمه بامتناع اجتماع النقيضين و ارتفاعهما و كذا فى توحيد الواجب و الظاهر ان غرضهم للتنصيص و التسجيل على صدق الحكم و مطابقته للواقع و كيف كان فالامر فى مثله سهل بعد وضوح المقصود و عدم انكارهم ما قررنا و من العجيب و العجائب جمته ما وقع من البعض مما يتعلق بكلامهما المذكور حيث قال زعم العضدى تبعا للحاجبى ان النزاع فى حكم العقل بان الفعل حسن او قبيح فى حكمه تعالى و هذا الكلام يحتمل وجوها الاول ان النزاع فى ادراك العقل حسن حكمه تعالى بشيء او قبحه الثانى ان النزاع فى ادراك بالعقل حسن الفعل و قبحه المؤثرين فى وقوع حكمه تعالى به من ايجاب او تحريم الثالث ان النزاع فى ادراك العقل حسن الفعل و قبحه بالنسبة اليه تعالى و ظاهر العبارة احد الوجهين الاولين و يظهر من كلامهما فى الدليل الثانى ارادة الوجه الاخير و يمكن تنزيلها على ما يتناول الوجوه الثلاثة او وجهين منها و كيف كان فهذا التخصيص منهما خبط فى تحرير محل النزاع و غفلة عما تنادى به حجتهم هذا و انت خبير بان هذا ليس الا اتباع البعض فى احتمال هذه الوجوه فى كلامهما ثم المناقشة عليها حيث قال يعنى ان العقل لا يحكم بان الفعل حسن او قبيح لذاته فيما تعلق به حكم اللّه تعالى من افعال المكلفين و قال آخر و يمكن ان يقال المراد لا يحكم بان الفعل حسن او قبيح بالنسبة الى حكم اللّه تعالى اى لا يحكم بانه يحسن ان يحكم اللّه تعالى به اى يجب ان يأمر به او يقبح ان يحكم تعالى به اى يجب ان ينهى عنه او يقال المراد انه لا يحكم العقل بانه حسن او قبيح فى حكم اللّه تعالى اى عند اللّه و فى نظره و لذلك امر به او نهى عنه ثم اورد انه لا وجه للتخصيص و بالجملة ان الحاجبى و العضدى انما يؤاخذان بما ذكرنا اذ هما فى تحرير محل النزاع بحسب التعميم ممن اقتفى به القوم و كيف لا و سوقهم الادلة على التعميم من الشواهد على ذلك كما اعترف به المعترض فالتوجيه الحسن فى كلامهما هو ما ذكرنا و اقرب منه ان يكون المراد الحسن و القبح المتحققان فى حكم اللّه تعالى و هذا هو معنى المدح و الذم و هذا عين محل النزاع اذ الحسن المتحقق فى ضمن حكم اللّه بمعنى المدح لا بالمعانى الأخر من الكمال او موافقة المصلحة و
فى توجيه كلام الحاجبى و العضدى
قد قال بعض المحققين فى توجيه كلامهما ان المراد منه حالة حكم اللّه و مرتبته او مع حكم اللّه عند المعتزلة