خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٢٥٦ - الثالث فى بيان حال الجمع بعد البناء على المختار
من اىّ شيء كان ليس الا ما اشرنا اليه اولا و انما اشرنا الى الخارج عنه مع خروجه عن العنوان او الصّناعة لتشحيذ الاذهان و استصفاء البصائر
الثالث: فى بيان حال الجمع بعد البناء على المختار
التنبيه الثالث فى بيان حال الجمع بعد البناء على المختار بمعنى انه هل يتّصف بالاستحباب ام لا فاعلم انك قد عرفت انه ثالث الاقوال فى المسألة هو حرمة الجمع كما حكاه السّيد الصدر ناسبا الى القيل و متوجها لوجهه من انه تشريع محرمة اذ لا قائل بانهما يجبان معا و لم يدل دليل شرعى على جوازه فضلا عن وجوبه او استحبابه هذا و قدر (ره) السّيد الاجل بقوله و الجواب عنه هو ان التشريع عبارة عن ادخال ما علم انه ليس من الدين او شك انه من الدين فى الدّين و الاول كان يتخذ المكلف سبيلا مغايرا لسبيل صاحب الشّرع و يتعبّد اللّه به و الثانى كالافتاء بان هذا حكم اللّه تعالى مع انه لا يدرى هل هو كل فى الواقع ام لا و من الظاهر انّ من قطع بوجوب شيء من طريق الشرع عليه و بذل جهده فى تحصيل الامتثال بان ياتى بكل ما يمكن ان يكون مطلوبا منه فاتفق الجمع بين فردين او ازيد مع احتمال ان يكون كل واحد منهما هو المطلوب من غير ان يكون نفس الجمع مقصودا له يتعبّد اللّه به لا يصدق على فعله التشريع بالمعنى الذى سبق و ان فسّر بغير ما ذكر فلا بدّ من بيان حرمته نعم لو قصد الجمع و التعبد به فلا بد ان يكون عند المكلف مامورا به و لو على سبيل الاحتمال من الافراد المشكوك فيها لنوع من العبادة معلوم من الشرع و الذى يتراءى هو كون الجمع مورد الاحتياط فيكون مندرجا تحت ما يدل عليه و انت بعد التامل فيما قلنا لا يخفى عليك وجه التامل فى كونه كل فت انتهى و انت خبير بان كلامه هذا مما يتطرق اليه المناقشة لانّ بينه و بين ما قرره او لا و بنى عليه الامر من طريقة العقلاء و البرهان العقلى الاعتبارى تدافعا ما بل تدافعا صريحا فان ما افاده اولا كان اقل ما يستفاد منه كراهة الجمع او اولوية تركه بل بعد امعان النظر فيه و لو بملاحظة مقدّمة غير مذكورة فى كلامه من ان العبادة مشروطة بالرجحان كان المال الى التشريع و الحرمة اللهم الا ان يلاحظ تعدد الجهات و الحيثيات بالخصوصيّة و العموميّة و انت خبير بان كلامه مما يابى عن ذلك ايضا و بالجملة فان اضطراب كلامه و تمجمج مرامه مما لا يخفى على ذى فطنة و درية و ذيل كلامه احق شاهد على ذلك و مع ذلك فالمتراءى منه باخذ مجامع صدر كلامه و ذيله و الحكم باولوية الترك بل لا يبعد دعوى فهم تصديقه بالنسبة الى القيل من كلامه و كيف كان فان امر الجمع مما قد صعب على بعض من تاخر عنه ايضا ممن اختار البراءة فى المقام فاقتفى اثره فى الجواب المذكور اخذا فى ذيل مرامه نتيجة و الاصل جوازه و مستدركا فيه بقوله و لكنه يحتاج الى اثبات رجحان ذلك فان العبادة مشروطة به و مثبتا اياه بما يثبت صغراه بقوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ و كبراه بقوله (ص) دع ما يربيك الى ما لا يريبك و ما يؤدى مؤدّاه و مؤيّدا ذلك بل مسدّدا اياه بفعل الصّلحاء و العلماء من اعادة عباداتهم اجد زيادة معرفتهم بمسائل العبادات و مستحكما ذلك بما ذكره الشهيد (ره) من جواز اعادة الصّلوات و الاحتجاج عليه بفعل اعاظم العلماء و الصّلحاء و وصاياهم بذلك بعد الوفاة و جملة من الآيات و الاخبار و بان الاحتياط المشروع فى الصّلاة من هذا القبيل فان غايته التجويز و لذا قال الصادق (ع) و ان كان صلّى اربعا كان هاتان نافلة و مستختما كلامه بقوله و لكن ما ذكره الشهيد (ره) مع ما تحقق فى محله من المسامحة فى ادلة السّنن الثابتة بالاجماع و الاخبار المعتبرة يكفى فى جواز هذا الاحتياط و استحبابه هذا و انت خبير بان استطراق المناقشات اليه فى منار اذ كون الجمع فيما نحن فيه من الحسنات اول الكلام خصوصا اذا لوحظ ما قرره السّيد الصدر (ره) من البرهان العقلى و لا سيّما اذا انضمّ اليه ما نسبه الى القيل و الفرق بين ما نحن فيه و بين ما عليه السّيرة فعلا و وصيّته مما يمكن ان يدعى انه غير خفى اذ الاحتياط [١] فى المجملات العرضية المصداقية و بعبارة اخرى ان الاعادة او الوصيّة بها لاجل الشك بل الوهم فى اتيان الشيء المعلوم كونه عبادة واجبة على ما كلف به عليه بزيادة المعرفة و الاستبصار مما بينه و بين ما نحن فيه مغايرة تامة فالسّيرة على ذلك لا على ما نحن فيه و لهذا لم يعهد من احد الوصيّة بجميع ما كان
الحكم فيه التخيير كالظهر و الجمعة خصوصا مما قد حكم البعض فيه بالحرمة و البعض بالكراهة فالفرق بين ما نحن فيه و بين ما ذكر من وجوه فالاحتجاج بجملة من الآيات و الاخبار التى اشار اليها الشهيد (ره) غير مستقيم و ان قلنا ان له تمشية فيما ساقه الشهيد من قضية اعادة الصّلاة و الوصيّة بها و الاحتجاج او التاييد بالاحتياط المشروع فى الصّلاة اعجب و اعجب منه التاييد بالخبر المذكور و الوجه على المتامل غير خفى و قضيّة التسامح بعد ملاحظة ما قررنا معارضة بالمثل بل لا مخر لها اصلا نعم الجمع فى التّوصليات و ما ضاهاها مما لا ضير فيه جدّا و بالجملة فالحكم بالجمع و لو ندبا فيما نحن فيه اذا كان من قسم العبادة مشكل إلّا ان يقوم الاجماع عليه و دون اثباته خرط القتاد كما عرفت و يؤيد ما ذكرنا بعد ما تقدم ما وقع عن البعض حيث قال فان قلت لم جعل الشارع حكم المتحير التخيير و لم يجعله الترك لمجموع الفعلين مع ان فيه افرادا عن تبعات المرتكب المحرم قلت على تقدير ان يكون فى ترك الواجب الواقعى و ان لم يكن واجبا علينا تبعة اخروية لا ريب فى تحققها مع ترك مجموع الفعلين و اما فعل احدهما فكما يحتمل اشتماله على التبعة اذا كان محرما فى الواقع يحتمل ان يكون خاليا عنها كما اذا كان هو الواجب فى الواقع فالراجح هو فعل احدهما عند العقل و لهذا جعل حكم المتحير التخيير على ان فى استلزام فعل كل واجب و ترك كل محرّم للمنفعة دنيوية كانت او اخرويّة و كذا ترك الاول ففعل الثانى للتبعة كذلك مع عدم العلم او الظن بالوجوب و
[١] فى ذلك مثل الاحتياط