خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٠٩ - فى الجواب عن ادلّة المنكرين
اذ هذا مشترك الورود و الالزام فلعمل الخاصّ الذى لم يصل حكمه قد كان قبيحا فى الواقع على ان الخطاب فى الخبر لمن وصل اليه الاحكام مما ادركه عقله و غيره الا قليل مما لم يدركه عقله فليس الترخيص فى مثل ذلك قبيحا نعم لا يحسن التحريص و الحث على فعل مثل ذلك نظرا الى ان القبائح الواقعية مما يورث القساوة بالخاصيّة فكما لا يكون المعنى ما ذكر قرينة الحمل على البعيد كل لا يصير قوله (ع) فى حديث آخر و من ارتكب الشبهات هلك من حيث لا يعلم قرينة لذلك بتقريب ان كل ما هو من النوع المنهىّ عنه فقد ورد عنه اما بخصوص او بعموم هذا الحديث من حيث اندراجه تحت الشبهة فالحمل على المعنى الثالث متعين لئلا يكون بلا معنى معقول و مصداق متحقق لان هذا مبنىّ على كون المراد من الحديث انشاء الحكم لطلب الكف عن فعل الشبهة طلبا تحريميّا و ليس كل بل هذا مما لا يتعقل منه اصلا فان ارتكاب الشبهة اما ان يكون ممن وصل اليه هذا الحديث او من غيره و الاول لا يساعده قوله (ع) هلك من حيث لا يعلم اذ هذا يكون ح هلاكا من حيث يعلم لا من حيث لا يعلم و الثانى لا يكون مكلفا بما فيه لعدم وصوله اليه فليس المراد منه الا الاخبار عن ان ارتكاب الشبهات موجبة لحصول ملكة رذيلة باعثة على ان لا يبالى بفعل المنهيات الصّريحة نظرا الى ان فعل المحرمات الواقعية له تاثير فى الواقع و ان لم يشعر بها و سرّ العدول من ربما يؤدى الى الهلاك و نحوه الى هلك هو الاشارة الى كثرة وجود النوع المحرم فى قسم الشبهة فقد بان الحديث لا يصير قرينة حمل الخبر على المعنى البعيد اذ لا يصار اليه الا لتحقيق المصداق له و تحصيله فاذا حمل الحديث على المعنى الثانى فلا داعى للحمل على البعيد المرجوح هذا و الجواب عنه ان المتبادر من الشيء ما لم يستقل فى ادراكه العقل و هذا من قبيل الاختصاص لا التخصيص و حديث التثليث و ان لم يكن من القرائن لحمل ذلك الخبر على المعنى الثالث البعيد إلّا انه من قرائن الحمل على ما قلنا كفهم العرف فى امثاله فهذا التقرير احسن من التعميم فى النهى ثمّ العجب من المستدل حيث صدر كلامه يعجز العقول عن ادراك العلل المقتضية للاحكام على سبيل الارسال و الاطلاق مع انه ممن اذعن بثبوت الادراك فى الجملة بل بحاكمية العقل بالملازمة إلّا انه كان يقول بان الحكم مما يتوقف على توسيط الخطاب الشرعى و الحاصل ان المستدل و ان بالغ فى توجيه الخبر و اصاب من حيث اثبات البراءة به برفع الاحتمال الثالث البعيد عن البين إلّا انه قد اعتزل عن الصواب بعدم الالتفات الى ما اشرنا اليه هذا و اما الاعتراض عليه بان المعنى الاول ايضا انشاء للحكم اذ هذا وظيفة المعصوم (ع) لا بيان الاطلاق و الاصطلاح فيرجع الى المعنى الثانى فلا وجه لذكره و عده قسيما له الا ان يحمل الاول على اثبات الاباحة الطاهريّة و الثانى على الواقعية لكن هذا يدفعه التقييد بالغاية اذ الواقعية لا تقيّد بغاية و القول بان المراد ان المكلف لا بد ان يبنى على هذا حتى يظهر خلافه مما لا يدفع الضيم لان هذا يرجع الى بيان الحكم الظاهرى فمما لا وقع له بعد امعان النظر فى كلام المستدل اذ غرضه حصر المعانى المتصورة فى الثلث و رفع الثالث بما مر لا اثبات المغايرة بين المعنيين هذا و قد يعترض على قول المعترض انه لا يصحّ جعل الاباحة الواقعية مغيّاة بغاية بان هذا ظاهر الفساد اذ كثير من الاحكام الواقعية مغيا بغاية فيجاب عن احتمال ارادة الاباحة الواقعية بانه لا يعقل من الحكم الواقعى الا ما استند عدم تعلقه بالمكلف الى عدم علمه به و لا من الحكم الظاهرى الا ما استند تعلقه به الى علمه به او بعدم علمه بالحكم الواقعى فاذا كانت الاباحة منوطة بعدم العلم بخلافها كما هو نصّ الرواية كانت حكما ظاهريا و كان خلافها حكما واقعيّا لا محالة و لا يرد النقض بالصلاة فى الثوب المستصحب الطهارة لان المراد عدم العلم من حيث الحكم لا من حيث الموضوع هذا و فيه ان هذا الاعتراض فى غاية السخافة اذ لم يرد المورد على الاستدلال ان الاحكام الواقعية مما لا يصح جعله مغيا بغاية اصلا بل اراد نفيه فى مثل هذا التركيب نظرا الى تعليق الاطلاق و تقييده بالعلم بورود النهى و بالجملة فهذا الانتساب عجيب و اعجب منه ما ذكره فى معقولية الحكم الواقعى و تحديده بامر عدمى
محض مع انّه لا يابى عن صدقه على الحكم الظاهرى كما لا يابى ما اخذ فى تحديد الظاهرى عن الصدق على الحكم الواقعى و اعجب من الكل ما اورد على ما ذكره فى تحديد الحكم الظاهرى من قضية النقض و الجواب عنه بما ذكر اعجب منه لان عدم العلم من حيث الموضوع يرجع اليه من حيث الحكم و بالجملة فغرابة ما ذكره مما لا يخفى على كل ذى مسكة فلا يؤاخذ بمثله المستدل و التحقيق فى تمييز الحكم الظاهرى عن الحكم الواقعى و المعيار فيه هو ان يقال ان الحكم الواقعى ما كان على طبق المصالح النفس الامرية من غير ان يكون للعلم و الجهل فيه مدخلية فمن هنا يعلم تعريف الحكم الظاهرى ايضا و لا غائلة ايضا فى تعريف الواقعى بما يكون الدليل الدال عليه غير متعلق على ما فيه قضية علم المكلف و عدمه اذ هذا ايضا يرجع الى ما ذكرنا و يعلم منه تعريف الظاهرى فهما بحسب التعلق بالمكلف من حيث الاشتراط بالعلم سواء فتمييزها بما ذكرنا ثم لا يخفى عليك ان كلا منهما يكون بملاحظة الدّليل الدال عليه على قسمين فالكل اربعة الواقعى الواقعى و الواقعى الظاهرى و الظاهرى الواقعى و الظاهرى الظاهرى فهذا بحسب قطعية الدليل و ظنيته فما ذكره بعض الافاضل فى بيان بعض ما يتعلّق بتعريف علم الاصول من ان المراد من الاحكام فى التعريف هو الاحكام الظاهريّة ليس المقصود منه انها من قبيل الاباحة الظاهريّة التى كلامنا فيها الآن بل المقصود منه انها من الواقعيات الظاهرية فخذ الكلام بمجامعه و لا تغفل ثم ان من ادلة المنكرين ما اشار اليه بعضهم قائلا و يدلّ عليه ما رواه الكلينى عن عدّة من اصحابنا عن احمد بن محمّد بن خالد عن على بن الحكم عن أبان الاحمر عن حمزة الطيار عن الصّادق (عليه السلام) قال قال لى اكتب فاملى على انّ من قولنا ان اللّه يحتج على العباد بما اتاهم و عرفهم ثم ارسل