خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٨٠ - المقدمة الاولى فى تعريف العقل و الدليل العقلى
(قدس سرّه) مع ما انا فيه من تزاحم الهموم و تراكم الغموم و اضطراب الحال و بلبلة اقبال و ضيق المعيشة و غور عيون العلوم و يبس نضارة دقائقها بذلة اهلها بين ابناء هذا العصر و أسلاء هذا الدّهر الى ان لم يسعنى مخالفة سؤلهم و تاخير مقترحهم فاهتزت العواطف الرحمانية حيث ساعدنى التوفيق للاقدام على هذا الامر الاهم فشمرت للجدّ فى تحرير ما كنت املى فلما بلغ النصاب الاوفى فى ارض الحائر الحسينية على صاحبها آلاف آلاف ثناء و تحية اتى الدّهر بما هدّ الاصلاب و اطار الالباب النازلة الهائلة و الفجيعة الفظيعة فى تلك البقعة المباركة في سنة ١٢٥٨ سافرت الى بلاد العجم و انا بين انياب الزّمان و مخالبه مرتضعا من الدّهر ثدى عقيم و راكبا من الذل ظهر بهيم كسيرا لا يجبر و مضيما لا ينتصر فكتبت بعض المباحث الباقية فى تلك البلاد فى الايام الخالية و القلب دهش و البنان مرتعش و كيف لا حيث لا ينفس اطلاق الزفرات و اعلان الضجيج تنفيسا من برحاء القلوب و تخفيفا من اثقال الكروب ثمّ جاء ما كتبت كتابا كبيرا حاويا للتحقيقات و التدقيقات التى لن تسمح بمثلها الافكار فى الادوار ما دار الفلك الدّوار فسمّيته بخزائن الاصول لانه فى الحقيقة لاهل الفن مرجع القروم و الفحول فهذا من بركة سلالة من هو اول العدد و نهاية الابد روحه نسخة الاحدية فى اللاهوت و جسده صورة معانى الملك و الملكوت و قلبه خزانة الحى الذى لا يموت طاوس الكبرياء و حمام الجبروت اعنى سليل النبوة و عقيد الخلافة امام الانام و المستدر بوجهه درر الغمام اتم بريّة اللّه خيرا و فضلا و اطيبهم فرعا و اصلا و اكرمهم عودا و اعلاهم منصبا المهدى القائم من آل محمد اللهمّ صل عليه و على آبائه الطاهرين و اجداده المعصومين و عجل فرجه و فرجنا بظهوره فنرى ان سطعت مصابيح العدل و انواره و طلعت شموس الامن و اقماره قد أحيا سنن العدل و امات سير الجور فحمى الدّين المنيع و جناب الملك مريع فجعلت هذا الكتاب كسائر كتبى و مصنفاتى من خزائن الاحكام فى شرح المنظومة المسمّاة بالدرة الغروية و من كتاب العناوين فى الاصول و غيرها هدية لحضرته الشريفة و خدمة لشريعة جدّه المنيفة اللهم اجعلها مقبولة عنده بحقك عليه و بحقّه عليك و اجعلها مما ينتفع به الطلاب و العلماء مدى الدهور و الازمنة و صلّى اللّه على محمد و آله فهذا الكتاب يتضمن ابوابا و فصولا متضمنة لخزائن
باب فى بيان امور و فيه خزائن
خزينة: فى الأدلّة العقلية و فيه مقدمات
خزينة فى الادلة
المقدمة الاولى: فى تعريف العقل و الدليل العقلى
العقلية مقدّمة اعلم ان فهم التركيب التوصيفى و الارتباط بين المنسوب و المنسوب اليه يتوقف على فهم المفردات فالدليل ما يمكن التوصّل به بصحيح النظر الى مطلوب خيرى فعلى هذا ليس ما لم يتركب من مقدّمتين بدليل و اطلاقه على المفرد تسامح او توهّم و العقل يطلق على معان منها القوة التى يلزم بها العلم بالضروريات و ان شئت فعبر عن ذلك بالخصلة الانسانية و الملكة النفسانية التى بها يمتاز الانسان عن البهائم و يستعد لقبول العلوم النظرية و تدبير الصّناعات الفكرية و يستوى فيها الاحمق و الذكى و نسبة هذه القوة فى استعدادها لانكشاف العلوم كنسبة المرآة الى صور الالوان و نسبة العين الى صور المرئيات و هى و ان كانت مما يستوى فيه الاحمق و الذكى و يوجد فى النائم و الغافل و المغمى عليه إلّا انه مع ذلك مما يختلف به النفوس الانسانية باختلاف اصل الفطرة بالاشراق و الكدورة و الضياء و الظلمة فبعضها مما فيها زيتها يضاء و بعضها مما ناره كاد ان تخمد و تطفى و بالجملة و هو الذى اختاره آدم (ع) من الثلث حين عرضت عليه منه و من شقيقيه من الحياء و الدين كما ذلك مشهور فى الآثار و الى ذلك يرجع ما ذكره الفيروزآبادى كما لا يخفى و كثيرا ما يستعمله الحكماء و المنطقيّون فى باب البرهان مصرّحين بانه ما به يحصل اليقين بالمقدمات الضرورية لا عن قياس و فكر بل بالفطرة و منها مدرك هذه القوة المشهور فى بادى الراى المشترك عند الكل او الاكثر كالعلوم الضرورية و كثيرا ما يستعمله المتكلمون بقولهم هذا ما يوجبه العقل و هذا ما ينفيه و منها المتداول فى السنة جمهور الناس من جودة الرويّة و سرعة التفطن و ان كان فى الاغراض الفاسدة و بهذا الاعتبار قد عبّر فى الاخبار عن هذه الحالة بالنكراء و الشيطنة و الدهاء و هذه الحالة من الحالات الرزيلة و الملكات الظلمانية و منها ضد ذلك و هو ما يحصل بالرياضات و المجاهدات و التخلق بالاخلاق الحسنة و هو الراغب فى الحسنات و الراغب عن المعاصى و هو الذى عبّر عنه فى الاخبار بما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و منها القوة التى من شانها انتزاع مهيات الموجودات و صورها و ادراك الاوليات و يعبّر عنها تارة بالعقل بالقوة و تارة بالعقل الهيولائى و هو بهذا المعنى عين النفس من حيث ملاحظة نشآتها الاولى و حالتها الكذائية و منها العقل بالملكة و هو بعد حصول الاستعداد لاكتساب النظريات بحصول العلوم الاولية باستعمال الحواس الظاهرية و الباطنية و منها العقل المستفاد و هو بعد مشاهدة النظريات و منها العقل بالفعل و هو بعد كون العلوم مخزونة غير محتاجة الى تجشم اكتساب جديد و قد يراد من هذه الثلث النفوس الانسانية بحسب نشأتها الثلاثة و حالاتها المختلفة و هذه الاقسام متفاوته بالشدة و الضعف و الكمال و النقص و منها الجوهر المجرّد عن المادة فى ذاته و فعله و هو المعبّر عند الحكماء بالمجردات و هى كثيرة عند محققيهم لا بالكثرة التى هى تحت نوع واحد و لا بالفصول و لا بالعوارض الخارجية ايضا بل هى عندهم مراتب وجودية بسيطة متفاوتة بالاشد فالاشد و الانور فالانور فهى كانوار و أشعّة متفاوتة بحسب القرب الى نور الانوار و منها الجوهر النورانى الملكوتى الذى خلق من نور عظمة اللّه و به اقام السموات و الارضين و هو المعبّر فى الاخبار تارة بالعقل و تارة بالقلم و تارة بالنفس الرحمانى و تارة بالكلمة التامة و تارة بالنور المحمدى (ص) و اذا تمهد هذا فقد بان ان المنسوب اليه فى هذا التركيب التوصيفى هو المعنى الاول و لا سبيل لارادة غيره الا العقل