خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٥٤ - المقدمة الخامسة فى بيان صور الاشتباه
نفى الوجوب عن الشيء المشكوك فيه لا نفى جزئيته او شرطيته و ان كان ذلك مما يلازمه و لو قطع النظر عن اصل عدم الدّليل و مادة افتراق اصل البراءة عن صاحبه الموضوعات و طرق الاحكام فلا يجرى فيها اصل عدم الدليل دليل العدم لان الدليل الشرعى لا يجرى فيها فلا يستعمل فيها [١] من ان اصل البراءة يجرى فيما يحتمل الاباحة و فيما لا يحتمل سواء كان عدم الاحتمال لنفسه كما فى العبادة او لقيام دليل على نفيها بالخصوص كما فى الدّخول على صوم المؤمن بخلاف اصل البراءة الاباحة فانه لا يجرى الا فيما يحتمل الاباحة فمما لا يخلو عن عدم استقامة كما لا يخفى على الفطن و كيف كان فقد انصدع من جميع ما ذكرنا ان اصل البراءة مختصّ بمقام الشك فى الوجوب و الحرمة فلا يجرى فى مقام الشك فى الندب و الكراهة فالاعم الشامل للكلّ هو قاعدة عدم الدليل و اصل نفى الحكم اى استصحابه و اما ما زعمه بعض المعاصرين من جريان اصل البراءة فى الاحكام الاربعة و تفسيره البراءة بالخلو و فراغ الذمة عن مطلق التكليف المشكوك فيه فمن الاشتباه الواضح اذ لا يساعده شيء بل ما يساعده على خلافه فى غاية الكثرة فان المتبادر من لفظ البراءة هو البراءة من الحقوق الواجبة من حقوق اللّه و حقوق الناس و ان تمثيلهم لاصل البراءة بجميع اقسامه بالامثلة المذكورة فى كتبهم مما هو كالصّريح فى نفى تلك المقالة نعم هذه المقالة قد صدرت عن جمع و منهم الشهيد الثانى فى شرحه على اللمعة و السّيد الكاظمينى فى شرحه على الوافية و لعل هذا القائل قد تبعهما فى ذلك من غير تتبع فى كلمات الاصوليين ممن يعوّل عليه ثم العجب منه حيث زعم ان اختصاص اصل البراءة بمقام الشك فى الوجوب و الحرمة هو من منفردات المحقق الثالث و قد اوقعه فى هذا الوهم عبارته حيث قال و هذا الاطلاق انما يناسب بالنسبة الى ما شك فى تحريمه او وجوبه لان اشتغال الذمة لا يكون الا بتكليف هو منحصر فيهما هذا و قد غفل عن مراده هو الاشارة الى ما ذكرنا فت
المقدمة الرابعة: فى المراد بالنص الذى يفقده تجرى أصالة البراءة
المقدّمة الرابعة فى الاشارة الى امور مما لا بدل من بيانه ليتضح به المرام بناء على كونه من مبانى المسألة فاعلم ان اصل البراءة انما يجرى عند من يقول بحجيته فيما يحتمل وجوبه او تحريمه فيما فقد فيه الدليل المعتبر فهذا هو مراد من عبر بفقد النصّ فهو يشمل المقام كل دليل معتبر لكن القائلين بحجية اصل البراءة ليسوا فى هذا المقام على نهج واحد فالمرتضى و ابن ادريس و من حذا حذوهما ممن لا يعمل بالآحاد من الاخبار و ان كانت من الصّحاح يجرون البراءة فى قبالها و غيرها مما يفيد الظن كما ان المقتصرين على الظنون الخاصة يجرونه فى قبال ما لم يدل دليل من الشرع على حجيته كعدم ظهور الخلاف و ظهور عدمه و الشهرة و الغلبة و الاستقراء كما ان المعممين فى الظنون و القائلين بحجيتها مط الا ما خرج بالدليل يجرونه فى قبال الظنون التى دلت الادلة على عدم اعتبارها فالاشتباه و الاحتمال و الشك يختلف باختلاف هذه المذاهب فكم من محتمل وجوبه او تحريمه عند جمع هو مما علم وجوبه او تحريمه بالعلم بالمعنى الاعم عند غيرهم فالاخبارية يوجبون التوقف فيما يقولون من محتمل التحريم كما عليه معظمهم او فيه و فى محتمل الوجوب كما هو المتراءى من بعضهم فى مطلق الشبهة فهى تشمل الظن الغير المستفاد من الاخبار كما تشمل الشّك فكلماتهم كادلتهم مما هو كالصّريح فى ذلك بل ان بعضهم قد صرّح به و هو الامين الأسترآبادي حيث قال فى الفصل الثامن من كتابه فعلم من ذلك ان كل ما ليس بيقينى حتى الظنى شبهة ثم قال القائدة الثانية انه وقع فى كلامهم (ع) اطلاق الجاهل على غير القاطع بالحكم سواء كان شاكا او ظانا و الجاهل بهذا المعنى يجب عليه التوقف و وقع اطلاقه على الغافل الذاهل ذهنه عن تصور المسألة و الجاهل بالمعنى الاخير لا يجب عليه الاحتياط و الا لزم تكليف الغافل انتهى فقد علم من ذلك ان ما ذكره بعض الاصولين فى المقام من انه يحتمل ان يكون المراد بالاحتمال ما يقابل العلم مط ظنا كان او شكا او وهما كما يحتمل ان يكون ما يتساوى فيه الطرفان كما يحتمل ان يكون غيره لكن لا سبيل الى الاول للزوم الاختلال و ان قلنا باصالة الاحتياط فى كل مقام لم يقم دليل معتبر على الخلاف و ان ظن بالوجوب و التحريم او بعدمهما انتهى مما لا وقع له جدّا لان هذا مما لم يقل به الاختيارية اذ قد عرفت ان الظن الغير الخبرى داخل عندهم فى الشبهة بل ان الظن الخبرى داخل عندهم تحت العلم و اليقين فالاخبارية فى مندوحة مما ذكر لان الظن الخبرى الغير المعتبر فى غاية القلة عندهم على ان استلزام التعميم فى الاحتمال و الشبهة الاختلال على القول بالاحتياط كيف يصحح الى ان ينتسب الى الاخبارية غير ما هم عليه فليس هذا اول مفسدة لازمة لقولهم فكم له من مفاسد و قد انقدح مما ذكرنا عدم استقامة كلام آخر لهذا القائل ايضا حيث قال و لا ريب فى دخول ما فيه نص غير معتبر بالمعنى الاعم الشامل لقول الفقيه المنبئ عن النص و لو بطريق الاحتمال فى محل النزاع ثم ان لم يشعر قول المفتى بوجود نص كان كالعدم فيكون مما لا نص فيه فيدخل ما لا نص فيه بالمعنى الاعمّ فى المتنازع فيه اذا كان الشك فى التحريم لا فى الوجوب لاستلزامه التكليف بما لا يطاق اذ كل شيء يحتمله و لو بمجرّد الامكان الذاتى هذا و كيف كان فقد صرّح غير واحد من الاصوليين بان ما يحتمل فيه التحريم و الوجوب لا يجرى فيه الاحتياط و علل باستلزامه التكليف بما لا يطاق و هذا كالصّريح فى ان الاخبارية يجرى فيه اصل البراءة عن التعيين فيكون الحكم هو التخيير الابتدائى فلا يطرحان معا للعلم الاجمالى بان احدهما حكم اللّه من غير فرق فى ذلك بين العبادة و غيرها و قد يقال ان مع فقد المرجح فى احدهما يمكن ترجيح جانب النهى من حيث ان دفع المفسدة اولى من جلب المنفعة و لقضاء الاستقراء من انتهى اقول ان المتراءى من بعض الاخبارية ان المقام مما يتوقف و مصداقه ترك الفعل الوجودى و قد صرح بذلك الا بين الأسترآبادي فى الفصل الثامن من كتابه و سيجيء تفصيل الكلام فيه و فى غيره انش تعالى ثم انه كما يجرى النزاع من وجه فيما تعارض فيه نصان مما لم يوافق احدهما الاصل فكذا فيما وافقه احدهما لما تعرفه بعد ذلك انش تعالى
المقدمة الخامسة: فى بيان صور الاشتباه
المقدّمة الخامسة فى الاشارة الى الاحتمالات المتصورة فى مظان الاحتمالات المتصوّرة فى مظان الاحتمال و الشبهة مما يمكن ان يقع فيه النزاع و ان كان بعضها مما لم يوجد و بعضها مما لم يقع فيه النزاع
[١] الا البيّنة و امثالها ثم ان إبداء الفرق بين اصل البراءة و بين قاعدة الاخذ بالأقل حين دوران الامر بينه و بين الاكثر باعمية الاول و اخصية الثانى بحسب الموارد كما صنعه المحقق الثالث ما لا له اذ النسبة بينهما بحسبها نسبة العامين وجه فمادة افتراق اصل البراءة صورة عدم السبق بالعلم الاجمالى فلا يجرى القاعدة فيها بل لا متصور مادة افتراقها عن صاحبها ما دار الامر فيه بين الاقل و الاكثر و لكن فى المندوبات و المكروهات و لعل المحقق الثالث ناظر فيما منعه الى ان الزائد المشكوك فيه فى المندوبات و المكروهات لا ينفى بالاصل فيوجد الاكثر للتسامح بينهما هذا و انت خبير بانه اذا الكلام فى صحة اجراء هذا الاصل قطع النظر عن ورود وارد عليه ثم اعلم ان اصل البراءة اخص موردا من اصل البراءة فان اصل البراءة يجرى فى نفى الوجوب و التحريم و ما يتعلق بالثانى ان كان يتعلق بالافعال فيسمى باصل الاباحة و ان كان يتعلق بالاعيان فباصالة الحلية و ان كان يتعلق بالاشياء فباصالة الطهارة و اما ما قرر فى العام و تملك به المرء