خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٥٣ - المقدمة الثالثة فى الفرق بين أصالة البراءة و الأصل المعروف بعدم الدليل دليل العدم
اصل البراءة و الاستصحاب بالاعمية و الاخصيّة فلا يجرى اصل البراءة الا فى نفى التكليف و اشتغال الذمة عن حقوق اللّه الواجبة و حقوق الناس كل بخلاف الاستصحاب فانه اعمّ بحسب الموارد و المجارى و اما ما زعمه بعض المعاصرين من جريان اصل البراءة فى نفى الاحكام ما عدا الاباحة نظرا الى ان البراءة هو الخلو و الفراغ من مطلق التكليف المشكوك فيه فمما لا يساعده شيء بل تصفح كلمات القوم و مظان استعمال هذه الاصل فى كلمات الفقهاء و الاصوليين مما يدفعه جدا و العجب من زعمه ان اختصاص هذه الاصل بالإلزاميّين مما انفرد به المحقق الثالث مما ذكره انما يتمشى بالنسبة الى اصالة عدم الحكم و انى هذا من ذاك ثم ان التعبير بالاستصحاب فى محاز اصل البراءة لا ينبعث منه بحيث ان هذا معارض بالمثل نظرا الى ان الشك فى الحادث لان هذا انما ينفى آثار الالزاميّين من الوجوب و الحرمة و اللوازم المترتبة عليهما لا الجعل فيهما اذ هذا لا يطابق ما عليه العدلية من تبعية الاحكام للعلل النفس الأمريّة و ما عليه معظم الامامية من عدم جواز اخلاء الواقعة عن الحكم فالمعارضة بالمثل بالنسبة الى الجعل و عدمه مما فى مخره بل ان استصحاب نفى الحكم بملاحظة هذا الوجه يجرى بالنسبة الى الاباحة الخاصة الواقعية او الشرعيّة ايضا فثبوت الاباحة بعد ذلك انما هو بالنسبة الى مرحلة الظاهر فهى اباحة عامة و قد يستدل على صحة اجراء استصحاب النفى فى الاباحة كسائر الاحكام بان المراد بالاحكام الشرعيّة ما بينه الشارع بلسان احد الرسولين اذ الحكم هو الخطاب و لا شك انه امر حادث يعلم عدمه او لا و يتحقق الواسطة فى ذلك و اما استواء الطرفين واقعا او ترجيح احدهما و ما هو دائر بين النفى و الاثبات فهى بواعث للاحكام الشرعيّة و ليست بانفسها احكاما فيدفع ما يمكن ان يقال ان استصحاب نفى الاباحة موقوف على العلم بالعدم السابق فان الاباحة هى الاستواء فى نظر الشارع و لا علم بعدمه اولا و ايضا لا يخلو فعل المكلف عن احد الاحكام الخمسة لانها دائرة بين النفى و الاثبات فكيف يجرى فيه اصل عدم الكل هذا و انت اذا تاملت فيه يظهر لك ما فيه فت
المقدمة الثالثة: فى الفرق بين أصالة البراءة و الأصل المعروف بعدم الدليل دليل العدم
المقدمة الثالثة فى الاشارة الى بيان الفرق بين اصل البراءة و الاصل الآخر المعروف بينهم بعدم الدليل دليل العدم فاعلم ان المحقق الثالث قد حكم قبل بيان الفرق بينهما بكونه متفقا عليه بينهم و هذا كما ترى غير مستقيم جدا سيما اذا اخذ فى هذه الدعوى اتفاق الاخباريّين ايضا كما هو ظاهر سياق كلامه صدرا و ذيلا فالاخباريون كيف يحكمون فى محتمل التحريم بالاباحة اللازم لاجراء عدم الدليل دليل العدم و لا يجرون فيه اصل البراءة الذى لا يفيد على مذاق هذا المحقق الّا نفى الحكم فهو انزل بمرتبة من مثبتى الحكم جدا فما تمسّك به الاخباريّون فى قبال اصل البراءة مما يجرى فى قبال هذا الاصل قطعا فكذا ان اريد من الاتفاق الاصوليين اذ لم يعهد منهم هذا الاتفاق كما لا يخفى على من تصفح كلماتهم خصوصا اذا كان المراد بنفى الحكم نفيه بالنسبة الى مرحلة الواقع بل هذا لا يتعقل عند من قال بتبعيّة الاحكام للصفات و عدم جواز اخلاء الواقعة عن حكم مختصّ بها عموما او خصوصا و عند من يقول بصدور الاحكام من اللّه الى رسوله و تسليمه (ص) اياها الى خزنة العلوم من اله هذا و يمكن ان يؤجّه كلامه بان المراد بالاتفاق هو اتفاق الفريقين و بالنفى النفى بالنسبة الى مرحلة الواقع و لكن بعد اخذ قضية عموم البلوى فى البين فعدم الدليل فيما يعم به البلوى دليل لنفى الاحكام الاربعة عن الواقع و الشاهد يكون بذلك متفقا عليه بين الفريقين قول الامين الأسترآبادي فانه مع اشتداد تعصّبه فى منع التمسّك باصل البراءة بحيث كان المستفاد من كلامه تعميمه القول بحيث يشمل محتمل الوجوب الذى لا يجرى فيه غيره من الاخباريّين قاعدة الاحتياط بل كانوا فيه كالاصوليين قد حكم باجراء اصل عدم الدليل دليل العدم فيه بعد استحسانه المحقق فى حكمه بذلك و لا اطراء فى المدح و الثناء عليه لاجل ذلك فكلامه المطلوب فى المقام هو ان المحدث الماهر اذا تتبع الاحاديث المروية عنهم (ع) فى مسئلة لو كان فيها حكم مخالف لاشتهر لعموم البلوى فيها و لم يظفر بحديث يدل على ذلك الحكم ينبغى ان يقطع قطعا عاديا بعدمه الى ان قال ففى مثل تلك الصورة يجوز التمسك بان نفى ظهور الدليل على حكم مخالف للاصل دليل على عدم الحكم فى الواقع مثاله نجاسة ارض الحمام و نجاسة الغسالة و وجوب قصد سورة معينة عند قراءة البسملة و وجوب نية الخروج من الصّلاة بالتسليم انتهى ما اردنا نقله عنه فى المقام و لكن لا يخفى عليك ان هذا التوجيه لا يلائم لما ذكره المحقق الثالث بعد كلامه هذا انسب التفصيل بين ما يعم به البلوى و بين غيره الى المحقق بالنسبة الى اصل البراءة لا بالنسبة الى عدم الدليل دليل العدم هذا و يمكن ان يقال ان التفصيل الجارى عند المحقق فى الاعم الذى هو هذه القاعدة يجرى فى الاخص الذى هو اصل البراءة فيكون القاعدة مما لا نزاع فيه لاحد فلا ضير فى اخصّيته اصل البراءة من هذه القاعدة من وجهين من وجه اختصاصه بالالزاميّين و من اختصاصه بالنفى بالنسبة الى مرحلة الظاهر اذ نفى الحكم عن الواقع يستلزم نفيه عن مرحلة الظاهر ايضا نعم يكون اصل البراءة اعم من القاعدة من وجه حيث يجرى فيما يعم به البلوى و فى غيره و هذا التوجيه كما ترى مما يمكن التوفيق بينه و بين وجه الفرق الثانى فى كلامه و ان كان هذا الوجه مدخولا فى نفسه و لكن ستعرف مدخولية هذا التوجيه فى مقام الاشارة الى بيان مطلب المحقق فى المسألة فت ثم ان وجه ابداء الفرق بينهما بان ذلك الاصل ناظر الى اثبات الاحكام الشرعيّة و نفيها للموضوعات العامة من حيث انها احكام شرعية و هى ناظرة الى تعلقها بخصوص ذمة آحاد المكلفين مما لا فائدة و لا محصّل له قطعا بل يظهر من ظاهره نفحات عدم الاستقامة كما لا يخفى على الفطن هذا و يمكن الفرق بعد الفرق بالاعمية و الاخصيّة مط كما اشرنا اليه بالاعمية و الاخصية من وجه بالنسبة الى الموارد فمادة الاجتماع الاحكام التكليفية اى الالزاميّين منها و مادة افتراق اصل عدم الدليل عن صاحبه الاحكام الوضعية نظرا الى ان اصل البراءة و ان كان من مفاده و مجاريه مقامات الشك فى الجزئية و الشرطية و المانعية و نحو ذلك الا ان الملحوظ فيها نفى