خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٣٠٢ - خطبة الكتاب
باب: فى الاستصحاب
هذه ديباجة فنّ الاستصحاب
[خطبة الكتاب]
خطبة لباب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذى جعل اصل تمسّكنا بولاية معادن الكرم و الرّحمة و العصمة من اوليائه و حججه من الاصول المنجيات الثابتات التى تغفر بها الآثام و السيئات و لو كانت من الموبقات المهلكات و صير استصحاب آثار محبّتهم من زيارة قبورهم و البكاء على مصائبهم من الأسباب المطلقة للارتقاء الى الدرجات العاليات و مقامات المقرّبين فى الجنات و قدّر البراءة من اعدائهم اعظم ركن فى باب الاعتقادات و الديانات و هدانا الى كل ذلك بالمحكمات من الآيات و ازاح بما فيها لاصحاب العقول و الدرايات قوائم الشكوك و قواعد الشبهات فمن طلب الحق و جاهد نفسه لاجله فهو على بصيرة من ربه فى امر الدّين و سعة من الاستطاعة فى تحصيل اليقين و من اتبع الهوى و خالف منجزات العقل المبيّن و محكمات القرآن الحكيم فهو من الغاوين الهالكين المعلّقين على رءوسهم فى الجحيم و الصّلاة و السّلام على العقل الاول و النور الانور و الرّوح الاعظم الاطهر صاحب المعراج الى السماك و المخاطب بخطاب لولاك لما خلقت الافلاك اشرف الاولين و الآخرين و سيّد الانبياء و المرسلين حبيب اللّه و صفيّه محمد بن عبد اللّه ثم على آله و خاصّة عترته الذين اذهب اللّه عنهم الرّجس و طهرهم تطهيرا و بعد فيقول العبد الافقر الاحقر اللائذ باذيال الطاف ربه الكريم المنان المشتهر بآقا بن عابد بن رمضان بن زاهد الشيروانى الدربندى اعطاهم اللّه تعالى طروسهم بايمانهم يوم الحساب ان من منن اللّه الكريم المنان على عباده فى زمن تمادى غيبة وليّ اللّه و حجته عجل اللّه فرجه و فرجنا بظهور دولته الحقة ان تصير العلوم الشرعية و الفنون الشريفة كاملة منضوجة و تامة مطبوخة و لعل هذا من جملة الالطاف فى تمادى ازمنته الغيبة و كيف لا فان جملة من المسائل التى كانت فى كلمات الاوائل مما تسعه صفحة او ورقة قد ربت و نمت و تزايدت بتظافر الافكار و تكاثر الالتفاتات مباحثها و مطالبها حتى ان صارت كل واحدة من تلك المسائل بمنزلة علم مستقل و فن تام مستقر فالمتصف بالانصاف و المغضى عن الاعتساف يحكم بان علم الاصول قد صار ذا فنون كثيرة و مثله فى ذلك الشأن فى العلوم العقلية غير عزيز و لكن الاستقراء التام و التجربة من ذوى الافهام مما قد قضى بان الاكملية و الاتمية فى تلك المسائل التى صارت بمنزلة فنون مستقلة و علوم مستقرة لا تجرى الا فى يد من هو ابن بجدة الصّناعة و حامل لوائها و اصل اصيل لقرومها و جهابذتها و من هو اتى فيها بفرس قاطع و برهان ساطع و افتتح فى كل امر خاتمته و استخرج عاقبته و طلّع بذهنه الثاقب و فكره الصّائب من كل غرس ما يجنى منه و من كل زرع ما يحصد عنه و من سهّل اللّه تعالى له المتعذر و ذلل المتوعّر و انال البعيد و ألان الشديد و من يكون هو السّلطان القاهر فى قلاع تلك الصناعة بل فى اقاليم العلوم و مدن الفنون فهو كمن هو بين صدع يشعب و شعث يلم [١] و عضد يشد و شتات يجمع و خرق يرقع و ذمام يؤكد و عهد يؤيّد و عان ينتاش و مهيض يرتاش و لكن تلك السّلطنة القاهرة لا يلقاها الا ذو حظ عظيم فذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم فاذا عرفت هذا فاعلم ان من جملة المسائل التى كانت فى كلمات الاوائل [٢] مما تسعه صفحة او ورقة و فى كلمات متاخرى المتاخرين ذات وريقات هى مسئلة الاستصحاب فهى قد صارت فى كلمات جمع ممن عاصرناه من المسائل الطويلة الأذيال و مع ذلك لم يبلغ مبلغ الاستحقاق لان تصير بمنزلة فن او تسمى فنا فلما بلغت بافكارنا الكثيرة و التفاتاتنا الوفيرة الى مباحث رشيقة و عناوين جديدة غاية المنضوجيّة و نهاية التمامية صارت فى كتابنا هذا بمنزلة فن مستقل بل فنا مستقرا ذا مقاصد كثيرة و مباحث عظيمة و مسائل وفيرة و مطالب عزيزة فمن امعن النظر غاية الامعان و استقصى بذل جهده فى تتبع مسائله و تصفح مقاصده و مباحثه علم صدق ما ادعينا من بلوغ ذلك النصاب المذكور ثم ان هذا النحو من التاييد و التوفيق من قبل اللّه الملك المنان لم يتيسّر لهذا العبد الافقر الاحقر الا ببركات صاحب هذه
[١] و ثغر سيد
[٢] و الاواسط و الاواخر