خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٣ - فصل فى الاقوال فى مسألة الأصل فى حكم كل واقعة و بيان الحق فيها
فلا تناقض اصلا و قد يستبان مما قررنا ان ما زعمه هذا البعض مما ليس فى محلّه على انه لو تم لجرى ما فيه فى المندوب و المكروه ايضا و لعل ما اوقعه فى هذا التوهم تحريرهم النزاع فيما اشتمل على منفعة و هذا كما ترى اشتباه محض اذ لا ضير فى كون الخالى عنها مما يدرك حسنه بالمعنى الشامل للمباح فالواجب العقلى قد يخلو عن المنفعة المتداولة فى هذا المقام و قس عليه الحرام و المثال للمباح العقلى غير عزيز و من جملته التنفس فى الهواء و شرب الماء عند العطش اذ الواجب من ذلك ما يهلك الانسان بتركه فالزائد عليه مباح و خروجه عن النزاع فى هذه المسألة لا يستلزم ان لا يكون مما يستقل به العقل فالحاكم بجوازه هو العقل فهو من المباح الواقعى و ادخال الشيخ اياه فى النزاع كما مر اليه الاشارة مما لا تعويل عليه فى قبال اطلاقات كلمات القوم و القول بان هذا مما لا ينكره الاشاعرة ايضا فعلم انه خارج عن هذا الباب مما لا وقع له جدّا هذا و قد يعترض على هذا القائل اعتراضات أخر إلّا انها مما ليس فى محله عنوان قد ذكر فى دفع التناقض المذكور اجوبة أخر منها ان عدم ادراك العقل حين قطع النّظر عن كونه مجهولا و ادراكه بالحكم بالاباحة او الخطر بالنظر الى ذلك و منها ان المراد ان الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة او مقبحة و لا يحكم فيه بحكم تفصيلى يحكم على الاجمال بانه مباح او محرّم و الاول مما يتطرق اليه خدشات الا ان يقرر بان للافعال من حيث هى احوالا و بالنظر الى ملاحظة العقل من العلم و الجهل احوالا أخر فعدم الحكم بالنظر الى الاولى لا ينافى الحكم بالنظر الى الثّانية فلا تناقض هذا و مع ذلك فنقول انه ان كان المراد به اثبات الحكم الظاهرى بعد العجز عن ادراك الواقعى فهو فى محلّه فيرجع الى ما قدمنا و ان كان المراد به اثبات الحكم الواقعى فهو مع انه لا يدفع التناقض مما لا معنى له كما عرفت ثم ان مرجع الجواب الثانى الى الاول لكن بعد امعان النظر فيتمشى فيه ما يتمشى فيه و منها ان المراد ان ما لا يدرك العقل حكمه ابتداء و مجردا عن ملاحظة شيء آخر هل يحكم عليه حكما عاما بالنظر الى الدليل ام لا و هذا لكونه فى غاية الفساد نظرا الى افادته دخول نظريات العقل مما يستقل به فى النزاع قد وجه فى كلام البعض بان المراد به ان ما لا يدرك العقل حكمه الابتدائى الثابت للشيء مع قطع النظر عن ملاحظة العنوان هذا و انت خبير بانه ان رجع الى ما حققنا فيدفع به التناقض و إلّا فلا و فى المقام ابحاث شريفة و مطالب نفيسة تطلب من الخزائن
فصل: فى الاقوال فى مسألة الأصل فى حكم كل واقعة و بيان الحق فيها
فصل فى الخوض فى نفس المسألة و احقاق الحق فيه و فيه عناوين عنوان اعلم ان القول بالاباحة هو فذهب المعظم من المتكلمين و غيرهم و القول بالخطر لكثير من البغداديّين و بعض من الشافعية و طائفة من الامامية و القول بالوقف للمفيد و الشيخ و قد ينسب الى شيخ الاشاعرة و ابى بكر الصّيرفي ايضا و القول بانه لا حكم فيما لا يقضى العقل فيه بحسن و لا قبح صريح كلام الحاجبي و فى عبارة الشيرازى انه مذهب جميع الاشاعرة و كيف كان فقد اختلف فى بيان المراد بالوقف قيل المراد به انا لا نعلم حكم العقل و ان قلنا بان له حكما و قيل المراد به ان العقل يحكم فيه بحكم البتة و يكون احد الحكمين موافقا للعقل لكن لا نعلم التعيين و قيل المراد به انا لا نعلم هل يحكم العقل بشيء ام لا و على تقدير حكمه هل يحكم بالاباحة او الخطر و هذا كما ترى وقف فى اصل الحكم و الخصوصية معا بخلاف السّابق هذا ثم مقتضى التقابل هو ان يكون المتوقف متوقفا فى مرحلة الظاهر لفرض ان الحكم الابتدائى الواقعى المعلّل عن الامور الواقعية مما لا يدركه العقل و قد صرّح غير واحد بان المتوقف ايضا يكف نفسه و الفرق بينه و بين الحاظر بحسب الاصلية و المقدميّة و قد خطأ الرازى فى تفسير الوقف بعدم الحكم و السّر واضح و قال بعض من نسب الوقف الى شيخ الاشاعرة ان مراده بالوقف الوقف فى الحكم الشرعى بمعنى انا لا نعلم حكم الشرعى الثابت فى علم الشارع ما ذا فالاباحة فى قبال هذا هو انا نعلم الآن من جهة الشّرع ان حكم الاشياء قبل الشرع هو الاباحة و ذلك لقوله تعالى و خلق لكم ما فى الارض جميعا و قس عليها الخطر و ذلك بمفهوم يسألونك ما ذا احلّ لهم و قال الزركشى الفرق بين المعتزلة و اصحابنا المتوقفين من وجوه الاول انّهم خصّوا هذه الاقوال بما لا يقضى العقل فيه بخلاف اصحابنا و الثانى انّ دليلهم دليل العقل بخلاف اصحابنا و الثالث انهم ارادوا من الوقف وقف حيرة و اصحابنا ارادوا منه انتفاء الحكم هذا و لا يخفى عليك ما فيه من السخافة ثم لا يخفى عليك ان ما عليه الحاجبى لا يلائم ما عليه الاشاعرة من الكلام النفسى و ما يلزمه من قدم الاحكام اللهم إلّا ان يكون متعلق النفى تعلق الحكم لا نفسه فت عنوان الاصل الاصيل مع الحاجبى و بعد التنزل عنه مع القائل بالخطر و ذلك لان احتمال المفسدة الواقعية متحقق فيجب الاحتراز جريا على ديدن العقلاء و هذا و ان كان يجرى بالنسبة الى الترك ايضا الا ان البناء على ذلك و اتيان الافعال لاجلها يستلزم التكليف بما لا يطاق على وجه و الترجيح بلا مرجح على آخر و النقض بالبنيان الحكم ليس فى محله على انّ جواز الارتكاب فيه من قبيل ارتكاب اقل القبيحين و هذا هو الوارد على الاصل و لان الناس ملك للّه تعالى فلا يجوز التصرف بدون الاذن فالباعث على الخطر هو الاجتراء على الفعل بدون الاستيذان و هذا هو الملحوظ هنا و لهذا لم يكن عين دليل القائلين بالخطر ثمّ هذا يجرى بالنسبة الى الحركات و السّكنات كذا يجرى بالنسبة الى الافعال المتعلقة بالاعيان الخارجية و النقض بالتروك ليس فى محله لان للكفّ ليس بتصرف و قضية تنزه الخالق عن البخل و كونه فياضا مما لا يعطى القطع بالاذن مع كون الفرض هو الاقدام بالاجتراء