خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٦٩ - فى الاستدلال بحديث التثليث على الاحتياط
ايضا و ذلك مثل ما فى بعض خطب امير المؤمنين (ع) ان اللّه قد حد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تنقضوها و سكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها رحمة من اللّه تعالى فاقبلوها الحديث الّا ان الاستدلال به ليس فى مخره اذ حمل سكوت اللّه تعالى فيه على السكوت عن بعض الاحكام الفرعية الكائنة على طبق المصالح و العلل النفس الامرية المساوقة للجعل الاولى ينافى ما عليه الاخبار المستفيضة بل ما عليه الاماميّة من ان اللّه تعالى بين جميع الاحكام لنبيه (ص) و هو بينها لاوصيائه (ع) حجج اللّه تعالى و ذلك البيان اما على نهج العموم او الخصوص و حمل سكوته تعالى على عدم جعله فى واقعة من الوقائع حكما و اخلائها عنه ينافى ما عليه الاخبار المستفيضة من عدم خلو واقعة من الحكم و ينافى ايضا ما يقتضيه جملة من القواعد العقلية على طبق التحقيق و حمله على عدم بيان النبى (ص) و الحجج باعلام اللّه تعالى اياهم بناء على بعض المصالح تجوز محض [١] فى اللفظ مع ان ذلك لا يلائم النهى عن السؤال و الفحص اذ لا اقل من اباحته بل حسنه واضح لا غبار فيه فلا بد من حمل سكوته على السّكوت عن بعض الاسرار الغامضة مما اطلع عليه حججه ام لا و هذا يلائم النهى المذكور و لو بوجه من الغاية هذا و اما ما قيل فى عدم جواز الاستدلال به ان عدم الوصول الينا لا يدل على سكوته تعالى الا ان يتمسّك باستصحابه فمما لا وقع له بعد ملاحظة ما قررنا هذا و عقد الباب ان دعوى افادة الاخبار من حيث المجموع القطع مما لا يبعد جدّا لبلوغها حد التواتر المعنوى و لو اغمضنا عن ذلك و اغمضنا ايضا عن افادة كل واحد من الاقسام المذكورة من العقليات و الآيات و الاخبار القطع لقلنا بحصوله من المجموع من حيث المجموع خصوصا اذا لوحظ اعتضاد ذلك بدعوى الاجماع من غير واحد و انضم اليه دعوى الاجماع من رئيس الاخباريّين و المحدثين مثل الصّدوق (ره) و اما ما يترقى فى المقام و يقال ان الادلة المذكورة لا اقل من افادتها الظن فيكفى فى المقام و ان قلنا باشتراط المسألة الاصولية بالقطع نظرا الى كون تلك المسألة من الفرعيات فمما هو من المجازفات الصّرفة اذا عرفت هذا فاعلم ان الحاظرين احتجوا باخبار كثيرة و قبل الاشارة و الى ما يرد على الاستدلال بها لا بد من نقل ما ذكره بعض متاخريهم ليعلم سر مصيرهم الى الحظر و ان لم يفده الا طائفة من الاخبار و تكلفهم فى الاستدلال بطوائف أخر من الاخبار و تاويلهم فى الاخبار المتقدمة الدالة على البراءة بالتكليفات الباردة البعيدة فاعلم ان صاحب الفوائد قال التمسّك بالبراءة الاصلية من حيث هى هى انما يجوز قبل اكمال الدين و اما بعد ان اكمل و تواترت الاخبار عن الائمة (ع) بان كل واقعة تحتاج اليها الامة الى يوم القيمة و كل واقعة تقع فيه الخصومة بين الاثنين ورد فيها خطاب قطعى من قبله تعالى حتى ارش الكف الى اقال و اكد المقال التمسّك بالبراءة الاصلية انما يتم عند الاشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذاتيين و كذلك انما يتم عند من يقول بهما و لا يقول بالوجوب و الحرمة الذاتيين و هو المستفاد من كلامهم (ع) و هو الحق عندى ثم على هذين المذهبين انما يتم قبل اكمال الدين لا بعده الا على مذهب من جوز من العامة خلو واقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى لا يقال بقى اصل آخر و هو ان يكون الخطاب الذى ورد من اللّه تعالى موافقا للبراءة الاصلية لانا نقول هذا الكلام مما لا يرضى به لبيب و ذلك لان خطابه تعالى تابع للحكم و المصالح و مقتضيات الحكم و المصالح مختلفة قد يكون ايجابا و قد يكون تحريما و قد يكون تخييرا و قد يكون غيرها لا يعلمها الا هو و نقول هذا الكلام فى قبحه نظير ان يقال الاصل فى الاجسام تساوى نسبة طبائعها الى جهة السّفل و العلو و من المعلوم بطلان هذا المقال
فى الاستدلال بحديث التثليث على الاحتياط
ثم اقول الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الامور فى ثلاثة امر بين رشده و امر بين غيّه و شبهات بين ذلك و حديث دع ما يريبك الى ما لا يريبك و نظائرهما اخرج كل واقعة لم يكن حكمها بينا عن البراءة الاصلية و اوجب التوقف فيها و رايت فى آخر جمع الجوامع و شرحه من كتب اصول الشافعية حكاية حسنة فى هذا المقام فاستمع لها ففى جمع الجوامع اذا حضر لك امر فزنه بالشرع فان كان مامورا فبادر فانه من الرحمن و ان كان منهيّا عنك فاياك فانه من الشيطان و ان شككت مامور ام منهى فامسك و فى شرح الفاضل بدر الدّين الزركشى له القسم الثالث ان [٢] تشك فى كونه مامورا او منهيّا فالواجب لقوله (ص) دع ما يريبك الى ما لا يريبك و انما اقتصر المصنف على هذه الاحوال الثلاثة لانها قطب العلم و عليها تدور رحى العمل و قد بلغنى عن بعض الائمة انه راى فى ابتداء امره فى المنام انه حضر الجامع فوجد فيه متصدرا فجلس ليقرء عليه فقال كيف تقرأ على و قد علمك اللّه المسائل الثلث فانتبه و اتى معبرا فقال اذهب فتصير اعلم اهل زمانك فان المسائل الثلث التى اشار اليها امهات العلم فى قوله (ص) الحلال بين و الحرام بين و بينهما امور مشتبهات الحديث انتهى كلامه و انا اقول ايها الناظر اللبيب [٣] كيف انطقهم اللّه بالحق من حيث لا يدرون انتهى كلام صاحب الفوائد و اقول قد حذا حذوه بعض علماء الاخباريّة ممّن يعاصره او يتاخر عنه بزمان حتى فى نقل قضية صاحب الجوامع و شارحه و هو حسين بن شهاب الدين العاملى فى كتابه المصنوع صنع الفوائد المسمى بهداية الابرار الى طريقة الائمة الاطهار و زاد هذا الفاضل و اكد كلامه بقوله ثانيا و اعلم ان حكم البراءة بعد ثبوت صحّة احاديثنا قليل الجدوى لان كل ما تعم به البلوى موجود فيها و ترجيح العمل بالبراءة على ما لم يروه الثقة الإمامي منها غفلة منشؤها عدم التامل لاجماع الاصوليين على ان اصل البراءة انما يفيد الظن لا غير و هذه الاخبار التى يطرحونها اذا عارضتها لا تقصر عن افادة الظن بمجردها فكيف اذا شهد لها مثل الكلينى و الصدوق مع معرفتهما بحال رواتها فى جرحهم و تعديلهم فلو لم يجزموا بصدقهم فيها لما حكموا بصحتها فانظر بعقلك اىّ الظنين الحق بالاتباع
[١] ذلك
[٢] الامساك
[٣] الظن