خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٣٧ - فيما يتوهم من لزوم التناقض بين الاباحة العقلية و الخطر العقلى و دفعها
لا سيّما بعد ملاحظة ما ورد فى الشرع من تحريم بعض المنافع الخالية عن المضرة كالغناء و شرب الفقّاع الغير المسكر و هذا التعليل كما ترى انما يتجه على قول المخطئة و الاولى ما ذكرناه انتهى و انت خبير بان كلام المرتضى (ره) كما نقل عنه ليس ظاهرا فيما نسب اليه من اذعانه يكون محل النزاع بين الاوائل و الاواسط فى الاباحة و الخطر الواقعيّين و التفسير الذى وجهه السّيد الكاظمى فى الحكم الواقعى مخالف للتحقيق كما مر اليه الاشارة و ستطلع تفصيلا على بيانه و بيان انّ ما نسب المحقق الثالث الى القوم من كون كلامهم فى الحكم مما ليس فى محلّه ايضا و اعجب من الكل ما ذكره المعاصر من التعميم لما ذكره من التعليل اذ القول بالتّصويب لا ينافى القول بالواقعى لأن التصويب انما نشاء من انكار حكم العقل و ادراكه له كون الاحكام العقلية هى الاحكام الشرعيّة و ان الاحكام تابعة للصّفات الكامنة فى الافعال فى الواقع فاذا فرض التنزل و المماشاة فلا مانع فى اجتماعهما على انه يمكن للقائل بالتصويب مع فرض اصراره على الانكار القول بتقسيم الحكم الى الظّاهرى و الواقعى نظرا الى مقام الجهالة بالخصوص و عدم ذلك او نظرا الى احكام اللّه المنزلة على النبى (ص) و ملاحظة استنباطات المجتهدين على وفق ذلك و غيره فافهم ذلك و تامّل و اغرب من الكلّ ما صدر عن البعض حيث احتمل الاحتمالين ثم قال و لازم مقالة القائلين يكون العلة فى الحسن و القبح هى الذات هو كون محل النزاع فى الاباحة و الخطر الواقعيّين و لازم الاعتباريين كونه فى الظاهريّين اتم قال و المتوقف يحتمل ان يكون متوقفا فى اصل الحكم كما يحتمل ان يكون متوقفا فى خصوص الحكم و كما يحتمل ان يكون متوقفا فيها هذا و انت خبير بمدخوليّة ما فيه و فساد الابتناء المذكور جدّا لان ذلك مبتنى على بناء الامر فى السّابق من التعميم فالوجوه و الاعتبارات و اخذ العلم و الجهل فيهما على ان لازم هذا الكلام انحصار الاحكام عند الاعتباريّين فى الظاهرية و عدم وجود مورد لحكم واقعى لا يصادفه و كيف يرتضى [١] مختصّ بالاحكام الواقعية و لا يجرى فى الاحكام الظّاهرية و ذلك بان محط انظار القوم فيها انما هو بالنسبة الى الامور الواقعية و العلل النفس الأمريّة من الذات و الصفات و الوجوه و الاعتبارات مما انبعث منه الاحكام العقلية الواقعية بمعنى ان العقل لو اطلع عليها لحكم بان الاحكام لا بد ان تكون على طبقها و هذه هى المساوقة و المعانقة مع الحكم المجعول او لا فكيف يجرى هذا فى الاحكام الظاهريّة المنبعثة عن الجهالة بالنّسبة الى الخصوصيات فانها قد تصادف ما فى الواقع و قد لا تصادفه و لا تتوهّم ان ما قررنا يقتضى ان لا يتّصف الحكم الظّاهرى بالحسن و القبح لانه لا يؤدى ذلك بل يؤدى ان الجعل فيه لم ينبعث عما عليه الامر فى الواقع من الذات و الصفات و الاعتبارات و لا يؤدّى ايضا ان الحكم العقل العام ليس على وفق الشرعى العام فالتطابق بينهما فى هذا القسم ثابت و اذا عرفت ذلك فاعلم ان مقتضى التحقيق انّ محل النزاع انما هو فى الاباحة و الخطر الظاهريين و ليس فى كلام القوم من الاوائل و الاواسط بحسب عناوينهم و ادلتهم ما ينافى ذلك بل فى كلام السّيد المرتضى (ره) ايضا لان غاية ما يستفاد منه القطع بالحكم و هو لا يستلزم كونه على وفق عليه العلة الواقعية من الذات و الوجوه و الاعتبارات و تفسير الواقعى بما فسره السّيد الكاظمى (ره) كما اشرنا اليه خروج عن الاصطلاح المتداول فى هذه المسائل العقلية مع انه لا يتحقق الفرق بالنسبة الى المقام بين الواقعى و الظاهرى ثم ان القول بان النزاع فى الواقعى و اختيار ذلك يدفعه لزوم اجتماع الحكمين الواقعيّين المتناقضين فى شيء واحد اذ كثير مما حكم باباحة او حضره ليس على طبق العلة الواقعية للحسن او القبح و ما قيل انه لا مانع من كون الشيء مباحا مثلا من حيث الجهالة و محظورا من جهة الصّفة النفس الأمريّة باعتبار ان العقل لا يابى عن ذلك و الشرع يبيح بل قد يوجب وطى الاجنبية باعتقاد الزوجية فان لاختلاف الجهة اثرا مدفوع بما ذكرنا من ان ما هو مباح بحسب الجهالة لا يكون من الحكم الواقعى المجعول الاولى المنزل على النبى (ص) فى شيء و ليس هو الا الحكم الظاهرى نعم يمكن التفصّى من وجه آخر بان يقال ليس هنا إلا حكم واحد و هو ما اقتضاه الجهل و ليس على طبق الصّفة النفس الامرية حكم و لا ضير فيه
اذ لا يلزم من كون الشيء فى الواقع على صفة جعل الحكم على طبقها فانها انما تؤثر مع عدم الحائل و المانع بينها و بين مقتضاها و إلّا فلا هذا و انت خبير بانه و ان كان فى جلى النظر مما له وجه إلّا انه بعد امعان النظر من الواقع فى غير محله لان بعد بناء الامر على ما هو التحقيق من ثبوت التّطابق و التلازم بين الحكم العقلى و الشرعى و عدم انفكاك الاحكام الواقعية عما عليه الشيء فى الواقع و مساوقة الجعل معه لا يتصوّر مثل هذا الكلام فى مثل المقام فان قلت ان بناء الامر على الحكم الظاهرى و جعل محل النزاع فيه يستلزم تسبيع الاحكام و هو خلاف المستفاد من كلام القوم حيث حصروا الاحكام فى الخمسة قلت ان هذا ممنوع ان اردت من الاحكام الواقعية او الظاهريّة و ان اردت تسبيع مطلق الاحكام فلا ضير فى التزامه ثم اعلم انه مما ينبغى ان يعلم قبل الخوض فى المط هو ان اكثر الاصوليّين قد قسموا الفعل الى قسمين ما يستقل به العقل و ما لا يستقل به العقل و الاول الى الاحكام الخمسة و حرروا النزاع فى الثانى فيما فيه امارة مصلحة كما اشير اليه
فيما يتوهم من لزوم التناقض بين الاباحة العقلية و الخطر العقلى و دفعها
و اختلفوا فيه بالحكم بالاباحة العقلية و الخطر العقلى و التوقف و هذا كما ترى قد نشاء منه فى بادى النظر و جلى الافكار لزوم التناقض بفرضهم محل النزاع او لا فيما لا يستقل به العقل مع حكم جمّ بالاباحة العقلية وظائفة بالخطر العقلى و قد جرى كلام الفاضل الجواد على هذا النهج فى الاشارة الى التقسيم المذكور
[١] به الاعتباريون مع انهم اكثر القوم فى تلك المسألة وضع ذلك كله فالنزاع فى تلك المسألة