خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٢٩٦ - المقام الثانى فى بيان نظريّة بعض مشايخنا فى قاعدة نفى الحرج
الاصل من قبيل الاصول الاولية و ان كان يساعده بعض الامور فى بادى النظر من ان احتجاج المعصومين (ع) بمداركه من الآيات فى جملة من من المقامات كاحتجاجهم بمدارك اصل الاباحة و اصل البراءة فالمستفاد من سياق احتجاجهم (ع) ان مفاد هذا هو حكم اللّه فى مرحلة الظاهر بعد الفحص و البحث عن الدليل و عدم الظفر به و لا يشترط فى الاصول الاولية ان يكون مداركها مما اشتمل على التعليق بادوات الاستثناء و الغاية و نحو ذلك بل قد لا يكون كذلك كما فى بعض الآيات الدالة على اصل الاباحة بل فى بعض مدارك غيره ايضا كما لا يخفى على الفطن هذا الا ان مع ذلك ايضا لا يصار اليه لا لاجل ان المصير اليه ينافى الآيات الظاهرة فى الامتنان لان الامتنان مما اليه سبيل و ان بنى الامر على كون هذا الاصل من قبيل اصل الاباحة و اصل البراءة و الاستصحاب كما لا يخفى على من امعن النظر فيما قدمنا بل لان هذا مخالف لسيرة الاصحاب قديما و حديثا حيث يتمسكون به فى قبال الادلة ايضا و كيف لا و قد عرفت ان بعض الاعلام قد ادّعى الاجماع على انه لا يعارضه دليل اصلا و ان كان من الدعاوى الغير الواقعة فى محلها لكن مع ذلك مما يمكن ان يؤيّد به ما قررنا و بالجملة فان هذا القول و ان كان اقرب الى الصواب مما يقابله من القول الاول و اقل منه استلزاما لجملة من الابحاث و المحاذير الا ان القول به فى غاية التفريط كما عرفت مع انه لم يعهد مصرّح به ثم اعلم ان ما يمكن ان يحتج به للشيخ الحر العاملى هو ان التكاليف من حيث انها تكاليف مما فيه مشقة و عسر من حيث الالتزام بها بل ان ادخال المندوبات و ان كانت مما يرغب اليه الطباع فى ذلك و لو بوجه من العناية ممكن هذا و لكن عدم استقامة هذا القول فى منار لان المرجع فى تحقق مصاديق تلك الالفاظ انما هو العرف و ليس كل تكليف من التكاليف مما يصدق عليه العسر عرف فضلا عن صدق الحرج عليه و يرشد الى ذلك ايضا النظر الى قوله تعالى فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام أخر يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر فان التعليل قد دل على ان الصوم مع المرض و فى السّفر عسر و انه فى ايام أخر خالية عن المرض و السفر يسر و لقد احسن و اجاد من قال ان العسر هو ما يعد عرفا شاقا و يقال انه يشق تحمله او يصعب على فاعله و مما لا شك فيه و لا شبهة يعتريه انه اذا كان لمولى عبد هيّأ له معاشر و يرزقه و يحسن اليه اذا امره باشتراء يسير من اللحم و الخبز لعيال المولى كل يوم من السوق لا انه صعب عليه او حمله ادل عسرا او شاقا بل كذا لو ضمّ معه كنس بيته و سقى دابته و علفها بل و لو ضم مع الجميع بسط فراشه وطئه و اغلاق بابه و فتحه و نحو ذلك بل لا بدّ فى تحقق العسر من كون الخدمة مما يشق عرفا و يصعب عليه تحمله و امثال ذلك فى التكاليف الشرعيّة خارجة عن حدّ الاحصاء فان رد السّلام مثلا تكليف مع عدم كونه صعبا بل كذا الوضوء و ركيعات من الصلاة سيّما مع عدم مزاحمته لشغل مهمّ و عدم كونه فى برد شديد و كذا الصوم سيّما فى الايام الباردة القصيرة هذا و بالجملة فان قول الشيخ الحر العاملى ان نفى الحرج بحمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق و الا لزم رفع جميع التكاليف مما يستلزم مفاسد و محاذير كثيرة من اخراج الآيات و الاخبار عما يؤديه من الامتنان و من لغوية احتجاج المعصومين (ع) بالآيات فى كثير من المقامات و من مخالفته لسيرة الاصحاب قديما و حديثا و من مخالفته لطريقة العقلاء و العرف و اللغة بل لا بعد فى دعوى انه مخالف للاجماع بكلا طريقيه ايضا فاذا كنت على خبر مما ذكر فاعلم ان القول الخامس المتضمن للتفصيل فى المسألة هو قول بعض مشايخنا (ره) تعالى فلا بدّ من اخذ مجامع فى كلامه فى مقام آخر حتى يتبيّن الحال و لا يختلط الامر ثم نشير الى ما يعطيه النظر الدقيق من تصحيحه و توجيهه او تزيفه و تسقيمه فنقول
المقام الثانى: فى بيان نظريّة بعض مشايخنا فى قاعدة نفى الحرج
المقام الثانى فى بيان مذهب هذا القائل فنذكر فى ذلك ما هو خلاصة كلامه و لبّ مرامه بعبارات مفيدة وجيزة فنقول فى تحرير ذلك و تقريره ان المقدور بلا مشقة لا ريب فى جواز التكليف به للاتفاق المضاف الى سدّ التكليف لولاه و كذا المقدور مع مشقة يتحمل عادة اذ ما لا مشقة فيه فى غاية الندرة لا يقال مقتضى القاعدة فى هذا عدم الجواز فما خرج انما بالدليل لان ذلك مستلزم لتخصيص الاكثر ثم المقدور مع مشقة موجبة لاختلال النظم لا يجوز التكليف به اجماعا لمنافاته غرض الحكيم و لفحوى ما ينفيه فى موارد العسر و الحرج و كذا لا يجوز التكليف بما فيه مشقة لا تتحمل عادة مفضية الى الضرر كالهلاك او غير مفضية اليه و ذلك بعد الاجماع على القاعدة بمعنى انعقاد الاجماع على نفى التكليف فيما فيه مشقة غير متحملة عادة ما لم يقم دليل اجتهادى على الثبوت للآيات و النسبة بينها و بين ما يثبت مثل هذا التكليف و ان كان نسبة العامين من وجه إلّا انها تقدم عليه لما تعرف و للاخبار المتواترة معنى بل لفظا ايضا بمعنى العلم بصدور واحد منهما و للاجماعات المنقولة و للعقل القاطع نظرا الى ان ذلك ينافى غرض الحكيم و وقوع ذلك فى جملة من الشرائع فى باب جمع من الصّديقين المقرّبين لا ينافى ما ذكر لان الاستحالة العقلية انما فيما ينافى غرض الحكيم و ينقضه و ليس ما وقع مما ينافى الغرض كما ذلك فى امر المرأة المفقود زوجها بالصّبر فى عمرها و من فاقته فرائض بالاقتصار على القدر الضرورى من التعيش و لان التكليف فى ذلك على خلاف اللطف و لاطباق العقلاء على تسفيه من امر عبده بقطع يده و نحو ذلك هذا و يمكن تزييف الوجوه الثلاثة الاخيرة بان الاول مبنى على انحصار الغرض من التكليف مط فى الاطاعة و ليس كل لانه قد يكون للابتلاء الساذج كما فى الكفار و العصاة