خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٨٥ - فى بيان ما نسب السيد الشريف إلى المعتزلة
الحاكم بها الا ان العقل ايضا يطلق عليه الحاكم على النهج الذى قرر فالحاكم عند الامامية و المعتزلة شارع اى اللّه سبحانه و تعالى و عقل و بالجملة ليس حكم الشرع تبعا لحكم العقل فمن توهم او نسبه الى الامامية و المعتزلة فقد جاوز الانصاف و تحمل الاعتساف فان اعتقاد هذا من الاعتقادات الفاسدة و تخيله من التخيلات الكاسدة بل يفضى الى عدم تديّن معتقده بديننا فان قلت ما تقول فى الاخبار الواردة فى تفويض اللّه الاحكام او بعضها الى النبىّ (ص) و الائمة (ع) فهى قد بلغت من الكثرة مبلغا حتى عقد له باب فى كتب الاخبار فان هذه الاخبار مما يوهم تبعيّة حكم اللّه لما يختاره النّبى و الائمة (ع) قلت اما الاخبار الواردة فى التفويض الى الائمة (ع) فلا بد من ان تطرح او تؤل لانها تخالف نص الكتاب من تمام الدّين ببعث سيّد المرسلين و كذا الاخبار المتواترة فى ان حلال محمد حلال و حرامه حرام الى يوم القيمة و غير ذلك فالتاويل بتنزيلها على التفويض فى الاحكام الظاهريّة او بيان العلوم و علل الاحكام حسبما يقدر على فهمه السّائل و المخاطب او التفويض فى الحكم فى كل واقعة بظاهر الشريعة او بعلمهم او ما يلهمهم اللّه تعالى من الواقع او فى الاعطاء و المنع فان لهم الانفال و الخمس و الصّفايا و غيرها فلهم ان يعطوا ما شاءوا و يمنعوا و اذا لوحظ هذا يصح التعليل فى بعض الاخبار فى هذا الباب بقوله تعالى هذا عطائنا فامتن او امسك بغير حساب و اما الاخبار الواردة فى التفويض الى النبى (ص) فهى ناصة فى كون المراد من التفويض الاحكام الواقعية مثل انه قد ورد فيها انه سبحانه و تعالى ادب نبيّه (ص) فاحسن ادبه حتى قال له انت لعلى خلق عظيم ثم فوض اليه امر الدّين و الامة ليسوس عباده فقال و ما آتاكم الرسول فخذوه الخ فنقول ان هذه الاخبار كما لا تنافى قوله تعالى و ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى و قوله و ما كنت بدعا من الرسل و لا ادرى ما يفعل بى و لا بكم ان اتبع الا ما يوحى باعتبار انه يجوز ان يعين الحكم فى نفسه و لا ينطق به الا بعد نزول وحى يدل على تسديده و تقريره مع ان وحى امر التفويض ايضا وحى فلا يحتاج فى تبليغ ما عينه فى نفسه الى وصول وحى فى شأنه بخصوصه فكك لا تنافى ما قررنا من ان حكم اللّه تعالى لا يتبع شيئا من حكم العقل و النبىّ (ص) و غيرهما باعتبار انه لما اصطفاه بالعقل الاكمل الاتم و عرفه بالتأديب الفطرى حقايق الاشياء و الافعال على ما هى عليها فى نفس الامر من الحسن و القبح الذاتى او بالصفات او بالوجوه و الاعتبارات التى على وفق الجعل الاولى و تحسين اللّه و تقبيحه النفس الامرى فوض اليه الاحكام بالتعيين و الامر و النهى على طبقه فلا يختار باحسان تاديب اللطفى الموهبى الا ما يجب ان يختاره على طبق الحسن الواقعى و تحسين اللّه النفس الامرى المتساوقين و ليس حاله عند التحقيق كحال المجتهد اذا راجع الى الادلة و حكم بحكم ثم عرض على المعص (ع) فاقره عليه كما توهّم بل كالمراجعة الى العقل الذى لا يشوبه بكمال استعداده كدار الوهم فيما يستقل بادراكه ثم المراجعة الى الدليل السّمعى و اعتضاده بذلك و تسديده به و الحاصل ان القول بان الحكم الشرعى تابع للعقلى لا يتعقل له معنى صحيح إلّا ان يكون المراد ان تحسينه تعالى و تقبيحه الواقعى على طبق الجهات المحسنة و المقبحة لما كان من الحكم العقلى و كان هذا الجعل و التحسين منه تعالى بعلمه على ما عليه الافعال جاز ان يقال ان الحكم الشرعى بالخطابات الظاهريّة تابع لذلك اى على طبقه و يمكن التعبير بوجه آخر و هو ان الشارع لا يكلف الا بما لو اطلع العقل على صفته لكلّف به على ذلك النحو و من هنا يتبيّن صحّة القول بان كل شرعىّ عقلى بمعنى ان كل ما خاطب به الشارع فقد حكم به فى نفس الامر قبل الخطاب او بمعنى ان كلّما حكم به الشارع فهو بحيث لو اطّلع عليه العقل لحكم به و سيجيء تفصيل فى ذلك فهذا جملة ما يتعلق ببيان مراد الاماميّة و المعتزلة من الحسن و القبح العقلى و اما ما يتعلّق ببيان مراد الاشاعرة فهو ان فعلا من الأفعال لا فى ذاته و لا بسبب اشتماله على مصلحة تامة جامعة لنفس الفاعل و غيره شاملة لجميع جهاته و غيرها من الصّفات لا يستحق للمدح و
الايقاع عند العقل و قس القبح عليه فمجازاة المحسن بانواع الاحسان بجزاء المسمى بانواع الإساءة و بالعكس عند العقل سواء نعم ان الفعل يستحق المدح و الايقاع او الذمّ و تركه بامتثال الاوامر و النواهى و عدم ذلك بعد ورود الشرع فنقول انهم قد وقعوا فى ام حبوكرى و داهية كبرى من حيث لا يشعرون اذ ليس معنى الامر و مفهومه المدح على الفعل و الذم على الترك فليس هو الّا اقتضاء الجازم كما صرّحوا به و قس عليه النهى فمن اين يلزم ان يذم العقل على ترك ما امر الشارع بفعله مثلا فان قلت ان هذا ليس بحسب الامر و النهى بل بمواضعة و اصطلاح و توقيف و اعلام منه تعالى على ان يمدحوه او يذموه قلت انه لا علم للعقل عندكم بان اتباع امر الشارع و نهيه ممدوح و عدمه مذموم الّا باعلام و توقيف من الشارع فيرجع الكلام الى هذا التوقيف فيقال فمن اين ان يذم العقل على ترك متابعة هذا التوقيف و الاعلام فلا بد من ان تسلسل التوقيف و هو بط او وجوب اتباع التوقيف الاخير فيرجع قضية عدم معلومية حاله عند العقل فان قلت فليكن التوقيف الاخير من قبيل الاخبار فلا يرجع المحذور قلت ان الاخبار لا يكون عن معنى واقعى فى نفس الامر و انما يكون اخبارا عن معنى انشائى على تقدير الحسن و القبح الشرعيّين فيعود الكلام الى هذا المعنى الانشائى الذى ما له الى الامر و ان تركه مذموم و اتباعه ممدوح فلا يقف و يتسلسل فان قلت ان عادة اللّه قد جرت على جبر العبد على ايقاع الذم على ما عليه الاشعرى فى امثاله و ان لم يكن مما يستحقه الفعل فى نفس الامر قلت قد جرت عادة اللّه على ما زعمه الاشعرى على اجباره تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا اهل الملل الباطلة على ذم ما جعله رؤسائهم مذموما فالفرق بين الفعل الذى تعلق به الخطاب الشرعى و بين غيره من ساير الافعال فى حكم العقل بحسنه و قبحه بعد ورود الشرع تحكم صرف و تعسّف بحت و كيف كان فكما يلزم على مقالة الاشعرى التزام المحذور المذكور فكذا يلزم عليها ان ينفوا