خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٨٤ - فى بيان ما نسب السيد الشريف إلى المعتزلة
المعتزلة و منه يعلم مراد الاشاعرة او المراد ان المعتزلة يقول ان للافعال حسنا و قبحا منظورين فى حكم اللّه و هذا الاخير كما ترى يرجع الى بعض ما تقدم و قد يقال ان المراد من انه لا يحكم العقل بالحسن و القبح فى حكم اللّه انه ليس بحسن فى مرتبة حكم اللّه و لا يتحقق معه على ما يقوله المعتزلة من تقدّم ذلك الحسن على حكم اللّه و المتقدم يصحّ ان يقال انه فى مرتبة المتاخر بدون العكس بل هو متاخر عنه على ما زعمه الاشاعرة من كون حكم اللّه تعالى وضعه سببا لكون الفعل حسنا و متقدما عليه و الظاهر ان مرجع هذا الى ما تقدم آنفا و قد اورد عليه انه لا يصح ان يقال ان المتقدّم فى مرتبة المتاخر اذ معنى كون الشيء فى مرتبة آخر انه ان كان الآخر معلولا كان هو ايضا معلولا معه و ان كان الآخر علة كان هو ايضا علة معه فعلى هذا اذا كان المتقدّم موجودا فى مرتبة المتاخر يلزم ان يكون متاخرا عن نفسه و انه مح و اورد ايضا ان هذا مستلزم للاستدراك فى العبارة اذ عدم حكم العقل يستلزم تاخره عن الشرع و بالعكس فاحدهما مغن من الآخر بان يقال انه ليس بحسن و لا قبيح من مرتبة حكم اللّه تعالى او يقال انه لا يحكم العقل بانه حسن او قبيح فما وجه الجمع هذا و انت خبير بما فى الايراد الاول اذ ليس مراد الموجّه من كون المتقدم فى مرتبة المتاخر دون العكس كونها فى المقام من قبيل رتبة العلل او المعلولات حتى يلزم المح المذكور بل المراد التساوق فى الحجية اى ان المتقدم غير فاقد لما حازه المتاخر من هذه الجهة دون العكس ثم ليس التقدم على نحو التقدم الزمانى اذ الحسن الواقعى فى الاشياء متساوق الجعل الالهى غير منفك باحدهما عن الآخر بل التقدم بحسب الاطلاع و الادراك و ستطلع على حقيقة الحال هذا و اما قضية الاستدراك مما فى مخره الا ان الامر فيه سهل فعلى ما قررنا لا استدراك و لا حزازة و اذا عرفت هذا فاعلم انه قال فى المواقف بعد ذكر المعنى الثالث فهو عندنا شرعى و ذلك لان الافعال كلها سواء ليس شيء منها بحيث يقتضى مدح فاعله و ثوابه و لا ذم فاعله و عقابه و انما صارت كل بواسطة امر الشارع بها و نهيه عنها و عند المعتزلة عقلى فانهم قالوا للفعل فى نفسه مع قطع النظر عن الشرع جهة محسّنة مقتضية لاستحقاق فاعله مدحا و ثوابا او مقبّحة مقتضية لاستحقاق فاعله ذما و عقابا ثم انه قد يدرك بالضرورة و قد يدرك بالنظر و قد لا يدرك بالعقل اصلا و لكن اذا ورد شرع علم ان ثمة جهة محسّنة او مقبحة انتهى فيكون حاصل النزاع هل الفعل فى نفسه بحيث اذا ادركه العقل على هذه الحيثية مدح فاعله و رغبة فيه او لام فاعله و لا يلائمه هذا من الفاعل ام ليس كل فى نفسه و انما يصير كل بمواضعة من الشارع و اصطلاح منه فالامامية و المعتزلة على الاول و الاشاعرة على الثانى فليس معنى حكم العقل بالمدح و الذم عند الاولين ادراكه ذلك بالفعل لمنافاته تحقق القسم الثالث الذى اشار اليه فى المواقف و عول على ما فيه فى تحرير النزاع كلتا الفرقتين بل معناه على وجه الشرطية المذكورة بمعنى انه لو علم العقل بالفعل على ما هو عليه فى الواقع و جهاته الداخلة و الخارجة لحكم بذلك و اذا تذكرت ما سبق من ان المراد من حكم العقل الذى لا يشوبه حكم الوهم و لا يكون فى محط الدّرجة بسوء الاستعداد علمت ان منع ما ذكر باعتبار انه يمكن ان لا يعلم ان هذه الجهة توجب المدح و الذم ساقط عن درجة الاعتبار كسقوط بحث انه يمكن ان لا يمدحه العقل و لا يذمه اصلا اما عمدا او اتفاقا على ان هذا الاخير فى غاية الانحطاط و السّقوط لان المراد الشأنية و الاستحقاق بحسب الواقع هذا بعد الاغضاء عن امكان معقولية هذا الكلام و تصويره و الا فالامر اوضح هذا و قد يقال ان المراد من الحسن و القبح العقلى عند الامامية و المعتزلة مقابل الشرع اى انه ثابت له فى نفسه مع قطع النظر عن وضع الشارع و جعله كما يقال الوجوب العقلى للوجوب الذاتى الذى يتحقق فى نفس الامر مع قطع النظر عن خطاب الشارع و امره و لا يراد به تعلقه بادراك العقل بوجه من الوجوه هذا و هو كما ترى و ان كان معه ايضا يصحّ قضية التثليث إلا
انه بعد امعان النظر لا يغنى من اعتبار العقل و ادراكه و لو على سبيل استحقاق الفعل للمدح عنده فت و كيف كان فاذا امعنت النظر فيما ذكر عرفت ان الامامية و المعتزلة لم يقولوا بانحصار الحاكم بالعقل فالحاكم عندهم شارع و عقل و لا ظنّ ان احدا من مخالفيهم نسب هذه النسبة اليهم
فى بيان ما نسب السيد الشريف إلى المعتزلة
الا ان السيد الشريف ممن يعطى كلامه ذلك حيث قال قال المعتزلة الحاكم هو العقل و الشرع هو الكاشف و ليس هذا إلا مرية و- فرية اذ المعتزلة كما انهم لم يصرحوا بذلك فكل ليس هذا مما يلزم لمقالتهم ان اريد من كاشفية الشرع كاشفية التبعية كما هو ظاهر كلامه بل صريحه بمعنى ان لا يكون مثبتا للاحكام و جاعلا اياها كان يكون نظير ذلك ما زعمه المصوبة فى الاحكام بالنسبة الى آراء المجتهدين و ان اريد من ذلك الكاشفية الانطباقية و التساوقية بعد اخذ اثبات الشرع الاحكام فى البين فلا غائلة فيه و ان صرّحوا به و الحاصل ان الجعل الالهى الاولى متساوق الحسن و القبح للشيء بحسب الواقع و نفس الامر و لا متقدم و لا متاخر من هذه الجهة فى البين و ان كان الحسن الذاتى المتساوق للجعل الاولى مما له التقدم على الخطابات هذا و اما ما قيل فى دفع هذه الشبهة بما حاصله ان ايجابه تعالى لبعض الافعال و تحريمه لبعضها و كذلك تشريعه لبقية الاحكام من ضروريات الشريعة المصرّح به ما فى الكتاب و السنة على ان اوامره تعالى و نواهيه تكون ارشادية محضة مجردة عن الطلب على الوهم المذكور و لا يكون لمصير الكل او الجل الى حمل اللفظ على المعنى الحقيقى عند التجرّد عن القرائن معنى معقول فمما لا يدفع الضيم بل هو مما يزيده اذ للخصم ان يقول ان هذا لازم مقالتهم فما ذكره يكون حجة للخصم لا حجة لهذا الدافع فلا بد من تعيين موضع الوهم و الغلط و بيان ان هذا لا يلزم لمقالة الامامية و المعتزلة على ان قضية حمل اللفظ على المعنى الحقيقى لا تدفع هذا الوهم لان الاقتضاء الجازم معقول و الطلب الحقيقى متصوّر و ان فرض انحصار الحاكم فى العقل و كيف كان فجاعل الاحكام هو اللّه تعالى لا غير و هو