خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١١٥ - المقام الثانى فى بيان كون الحق مع العدلية
تبيّن بالبراهين السّاطعة حجّية العقل فانقدح من ذلك لزوم موافقة الاحكام الشرعيّة للاحكام العقلية الواقعية و بالعكس لا يقال لا ملازمة بين تخلف الحكم الشرعى عما عليه الفعل فى الواقع و بين عدم حجية العقل فيما استقل به فى مرحلة الظاهر نظرا الى ان العقل اذا ادرك جهات الفعل حكم فى الظاهر بثبوت التكليف عملا بعموم الآيات و الاخبار و ان قضية جهات الفعل وقوع التكليف على حسبها ان لم يعارضها مانع و لا يكتفى فى المنع عن ذلك احتماله و لا الشك فى وجود جهة فيه تعارض تلك الجهة نظرا الى اصالة عدمها او الى حكم العقل بقبح الفعل او الترك و الحال هذه حكما واقعيا و ان كان مبناه على الظاهر و لهذا يستحق الذم عليه و ان انكشف بعده وجود الجهة المعارضة فيه فان ارتكاب القبيح الظاهرى قبل انكشاف الخلاف قبيح واقعى كالحرام الظاهرى و الحاصل انه يجوز ان لا يكون ملازمة عقلا بين حسن الفعل مثلا و وقوع التكليف به و مع ذلك يكون العقل حجة فى مرحلة الظاهر لانا نقول ان هذا الكلام غير مستقيم جدّا لانه اذا انتفت الملازمة الواقعية عقلا بين حسن الفعل مثلا فى الواقع و بين كونه واجبا عند اللّه و وقوع التكليف و الامر على حسبه و جوز العقل تخلف الحكم الشرعى عن العلة الواقعية و المصلحة النفس الامرية بل وقع ذلك مرة بعد مرة فكيف يحكم على سبيل القطع بانه واجب عند اللّه او حرام عنده فالمناط فى الملازمة و حجية فى المرحلة الظّاهرية على ثبوت الملازمة الواقعية و كون الاحكام تابعة للمصالح النفس الامرية فان قلت قد حكمت بحجية العقل فى مرحلة الظاهر ح مع اختلاف القاطعين فى شيء واحد فلم يمنعك عن ذلك عدم اصابة قطع كل قاطع للواقع فلم لا تجوز حجّيته فى هذه المرحلة اذا جوّز العقل تخلف الحكم الشرعى عن العلّة الواقعية و المصلحة النفس الامرية بعد حكمه بالملازمة واقعا مع انّ الوجه من احتمال عدم الاصابة للواقع فى الكل جاز قلت الفرق بين الامرين فى غاية الاتضاح اذ الاول انما كان مبنيا على ثبوت التطابق بين الاحكام العقلية و العلل الواقعية المنبعث منه القطع يكون ما حكم به العقل هو حكم اللّه و احتمال عدم الاصابة للواقع ما كان من عند القاطع بالحكم الخاصّ اذ القطع لا يسعه الاحتمال و ليس الكلام هنا مثل الكلام هناك لانه اذا بنى اساس المقام على عدم لزوم التطابق و صار حكم العقل فى المقام جواز تخلف الاحكام الشرعيّة عن العلل الواقعية و عدم ابتنائها على مصالح الافعال و كان ذلك ضابطة و اصلا فى المقام فكيف يحكم العقل بكون مدركه بادراك جهات الفعل حكم اللّه فى الواقع حكما واقعيا و الحاصل ان ما قرر من عدم التعويل على الشك فى وجود الجهة المعارضة لجهات الفعل نظرا الى ان المحتمل لا يصلح فى نظر العقل لمعارضة المقطوع به او الى دفعها بالاصل ثم الحكم بان العقل يحكم واقعيا بالحكم الشرعى و ان كان مبناه على الظاهر لا يناسب القول بتخلف الاحكام الشرعيّة عن العلل الواقعية و المصالح الافعالية ثم ان ما تمسّك به من الآيات و الاخبار انما يدل على المختار من عدم جواز تخلف الاحكام الشّرعية عن المصالح الواقعية فى الافعال فتمسّك القائل بالتخلف بها عجيب غريب فت الثانى انه لو لم يكن الاحكام على طبق المصالح النفس الامرية او ان كانت مما تتخلف عنها و لو كان ذلك فى بعض المواضع للزم اللّغو و العبث فى احكامه بملاحظة خصوصيات الاحكام فى الوقائع الخاصة و لو لم يلزم ذلك بالنسبة الى سنخ التكليف و نوع الاحكام من حيث اداء ذلك الى اللّطف و تعريض الثواب و الابتلاء فان قلت انما يناط الامر بمصالح التكليف لا بمصالح الافعال نعم قد يكون مصالح الافعال و جهاتها من جملة جهات التكليف و مصالحه فاذا كان الامر كل سقط قضية اللغوية و العبث اذا قلنا بالتخلف قلت انّ مصالح التكليف مشتركة بين الافعال و الاحكام فهى توجد و لو حرّم الشارع الواجب العقلى الواقعى او اوجب الحرام فمثل ذلك لا يحصل به الامتياز و لا يناط عليه الامر فقضية اللغويّة و العبث مما ينهض على اثبات المط و ستعرف الكلام المشبع فى عدم جواز اناطة الامر على مصالح التكليف و بيان المعنى المقصود من مصالح التكليف فان قلت القول بجواز التخلف و عدم التطابق بين الاحكام الشرعيّة و المصالح النفس الامرية لا يستلزم العبث و اللغوية اصلا لان الغرض من التكاليف بجميع انواعها هو التعبّد و الانقياد و الاطاعة فلما كان الامر بكل الافعال كالنّهى عن الكلّ مستلزما للتكليف بما
لا يطاق اختصّ طائفة منها بالامر و طائفة بالنهى و صار اخرى مباحة و تعيّن سلسلة المأمورات و الواجبات لتعلق الامر بها كتعين سلسلة المنهيات لتعلق النهى بها و كونها محرّمة لتحصيل غرض آكدية الابتلاء و الامتحان و ذلك بان القسم الاول مما يرغب الطباع عنه و يشقّ عليها فعله كما ان الثانى مما يميل و يرغب اليه الطباع فاندفاع قضيّة لزوم العبث و اللغوية بملاحظة الانواع كما يكون بتطابق الاحكام للعلل الواقعية كل يكون بذلك فلا غائلة فى جواز التخلف على انّ هذا مما لا يؤيده قول الفقهاء فى مواضع عديدة و ان هذا من الاحكام التعبّدية و ان ذلك من الواجبات التعبّدية بل يشهد به قوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و قوله تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و التقريب بان المستفاد من ذلك حصر وجه الخلق و الامر فى حصول التعبّدية المحضة و الانقياد الصرف فالقول بلزوم التطابق ينافى ذلك لان المقصود ح يكون بتحصيل المصالح النفس الأمريّة قلت انّ ما ذكر لا يدفع الضيم جدّا و لا يحسم القضيّة المذكورة قطعا فان سلسلة المكروهات ايضا مما يميل اليه النفوس كما ان سلسلة المندوبات مما يرغب عنه الطباع و تصفح عنه فاذا لم يراع التطابق جرى قضيّة لزوم اللغويّة بالنسبة الى الانواع على ان هذه