خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٢٤ - الثالث فى بيان أدلّة الأقوال
ذلك استحقاق الفاعل جزاء المحسنين او القبيحين بالنسبة الى فعل واحد و لم يقل به احد قلت ان الحسن و القبح ليسا مما يكونا من قبيل ما يعبر باعتبار معتبر و وضع واضع فانهما من قبيل لوازم المهيات فلا يتعلق الجعل بها و لا بلوازمها فاذا حدث الجعل و التاثير من الفاعل و حصل الفعل بما معه من الوجوه و الاعتبارات او الصّفات اللازمة فلا ضير فى ان تكون على حسن الامرين او قبحهما إلّا انه لما كان الملحوظ او لا و بالذات هو الفعل لتعلق الجعل و التاثير به او لكونه اقرب كان هو المتصف بهما او لا و اتصاف العوارض انما هو بالعرض و الاستتباع و من هنا يعلم الجواب عن حديث جزاء الحسنين او القبيحين هذا و اما تحقق الاستناد الى الوجوه و الاعتبارات فلانه يعلم كل احد ان الكذب مثلا لو لم يترتب مصلحة عليه بل ترتّب عليه مفسدة فهو قبيح و يذم عليه العقلاء و لو كان بحيث لو لم يقع لترتب عليه جمة من المفاسد مثل قتل جمع و سبى طائفة و هتك عرض و نحو ذلك و لم يكن فيه مفسدة فهو حسن و الصدق بالعكس و احتمال ان الكذب قبيح حتى فى الصورة المفروضة غاية الامر قد غلب عليه حسن حفظ النفوس المحترمة عن القتل و السّبى فسقط حكمه من النهى عنه و كونه محرّما مما لا وقع له فان الكذب يتّصف فى الفرض المذكور بالحسن جدّا و هو لا يلائم بما ذكر قطعا فان قلت فعلى ما ذكرت يلزم ان يتصف الكذب الخالى عن وصفى النفع و الضّرر بالقبح اتصافا مستندا الى اقتضاء الوجوه و الاعتبارات و عليتها فكيف هذا مع فرض الخلو عنهما قلت ان الكذب المفروض قبحه مستند الى ذاته فلا غرو فيه لانه حقيقة مغايرة لحقيقة الكذب المشتمل على احدهما فلا عويصة و لا اشكال هذا و اما تحقق الاستناد الى الصّفات اللازمة فهو ايضا ظاهر اذ من الصّفات اللازمة لبعض الافعال ما لا يشك فى كونها حسنة او قبيحة باعتبار انفسها مع قطع النّظر عن موصوفاتها و عن الامور المفارقة اذا عرفت هذا فاعلم انه يدل على بطلان اختصاص الاستناد الى الذوات و الصّفات اللازمة وقوع النسخ فى الشّرائع المتفق عليه بين المسلمين بل بين اهل الملل ما عدا الاصفهانى من المسلمين و اليهودى من اهل الملل فالتقريب بان ما بالذات او الصّفات اللازمة يدوم و لا يزول و الاحكام تابعة للحسن و القبح ففيما وقع فيه النسخ يكشف عن كون الحسن او القبح فيه مستندا الى الوجوه و الاعتبارات فان قلت ان هذا انما يدل على المط لو كان جميع الاحكام الشرعيّة ممّا يتبع الحسن و القبح و هو غير معلوم بل المعلوم انها مسببات لامور واقعية و منبعثات عن العلل النفس الامرية سواء كانت هى الحسن و القبح او غيرهما قلت قد عرفت ان جميع الاحكام تابعة للحسن و القبح و هما العلتان لا غيرهما على انهما لا اقل من كونهما من لوازم العلل فالنقض على القول بالذاتية بالنسخ متجه و ان لم نقل بانحصار تبعيتها لهما مع انّ هذا يتمشى حتى على البناء على كون العلل للاحكام غير الحسن و القبح كما لا يخفى و ان هذا السؤال قد يخرج الكلام عن محل النزاع فان قلت يمكن ان يكون ذات الفعل من حيث هى هى مقتضية للحسن او مع انضمام جهة اليها و جهة فيها مقتضية للقبح فيتكافأ الحسن و القبح او يغلب احدهما على الآخر قلت هذا خروج عن المقام و القول بالذاتية او الصفاتية فان قلت يدفع العويصة باخذ الجهات تقييديّة قلت قد مرّ الجواب عنه تفصيلا و حاصله ان النزاع ح يرجع الى اللفظى و بعد الاغضاء و الاغماض عن ذلك و البناء على انه يمكن التفرقة ح بين القول بالذاتية او الصّفاتية و بين القول بالوجوه و الاعتبارات فيخلوا المسألة عن الثمرة كما لا يخفى على ان اختلاف طبيعة الفعل باختلاف كل من القيود كلام تخمينى بل التحقيق على خلافه فان قلت انّ للفعل بدون العارض حقيقة و معه حقيقة اخرى فيكون فى البين ماهيّتان مغايرتان فلا يرد النقض بشيء قلت هذا السؤال مما وقع فيه التكرار و قد علمت الجواب فان قلت ان النسخ انما يتصوّر باختلاف الازمان فكما يمكن ان يقال يختلف المصالح بحسب الازمان و يتغير الحكم بحسبه كل يمكن ان يتصور الفعل المنسوخ طبيعة كلية قابلة للتحصّلات المختلفة بحسب اختلاف العلل و الاسباب و القوابل و الشروط فلعلّ اختلاف الاسباب قد ادى الى ان يتحصّل الفعل بفصل غير ما يتحصّل به فى الزمان السّابق غاية الامر
انه ربّما كان المعيار الشرعى فى نظر المكلف امرا خارجا عن حقيقة الفعل و لا بعد فيه اذ الشارع ربما اناط التمييز بين الافعال بامور خارجة يستبعد عند العقل تاثيرها بحسب الخارج فى ذات الشيء مثلا المذبوح الذى لا يسمّى عليه ميتة و الذى سمّى عليه مذكى و يستبعد عند الوهم ان يكون للتسمية اللفظية و لو مجرّدة عن توجّه النفس اليه تعالى مدخل فى كيفية اللحم و خاصيّته سيما على ما يشترط بعضهم من خصوص لفظ الجلالة و ادخال الباء الجارة و اقحام لفظ الاسم و قد ورد فى النص ان علة حرمة الميتة افساد مزاج الانسان و اضراره و الحاصل ان صلاة اليهود كانت قبل النسخ مندرجة فى طبيعة الصّلاة بل كانت منحصرة فيها و بعد حصول النسخ خرجت عن تلك الطبيعة و النسخ كاشف عن ذلك قلت انّ هذا السؤال مما لا وقع له جدّا لا لما يتوهّم ان النسخ الذى هو عبارة عن ازالة الحكم الثابت بدليل متاخر لو لاه لثبت لا يتصور لا يتحقق بناء على تعلق كلّ من الحكمين بغير ما تعلق به الآخر فمع الاختلاف بين المتعلقين لا يعقل صدق النسخ لان اتحاد اصل الفعل و كونه فى الظاهر و مع قطع النظر عن اختلاف الزمان كاف فى صدق النسخ و تحققه و ان كان النسخ كاشفا عن تعدد الفعلين بل لان القول باتحاد الحقيقة مع تعدّد الماهيّة و الذات جزاف من القول فلا يتصور ذلك جدا و اخذ الوجوه و الاعتبارات داخل فى المامور به و المنهى عنه حتى يصيرا حقيقتين