خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٩٩ - فى بيان الأقوال فى المسألة
هو القوة العزيزية و الملكة المدركة و ارادة الواقع من العقل فى هذه القضية بعيدة لكنها فى القضية الثانية قريبة كما تعرف ثم انك قد عرفت ان القضيّة اذا قيدت موضوعها بمحمول خاصّ فلا يتصور فيها النزاع فلا بد ان يقال ان كل ما حكم به العقل هل يحكم به الشرع فح يتصور ان يكون منشأ النزاع امور الاول ان عقولنا هل تدرك الجهات الواقعية التى هى العلة التامة للاحكام الواقعية الثانى ان الحسن و القبح هل هما علتان للحكم الواقعى حتى يثبت بثبوتهما الثالث انه اذا ثبت ان العلة هى الحسن و القبح فهل يكفى من ذلك الحسن او القبح الذى تميل اليه عقولنا ام لا بد من الاحاطة التامة بجميع جهات الفعل الرابع ان العقل هل يدرك استحقاق الثواب و العقاب الخامس انه اذا ثبت ادراكه لكل ما ذكر بمعنى انه اذا ادرك العقل العلة التامة للحكم و حكم بان فاعله مثاب عند اللّه لكونه ايتاء مراده و مطلوبه او معاقب عنده لكونه آتيا بمبغوضة فهل يثبت به الحكم الشرعى ام لا اذا عرفت هذا فاعلم ان وجه نزاع الاشاعرة فى هذه القضية معلوم فنزاعهم فيها ناش عن قولهم بمعزولية العقل و امّا منشأ النزاع بين اصحابنا الاماميّة و مبنى النافين منهم لتلازم الحكم العقلى الحكم الشرعى و التطابق بينهما فكل واحد من هذه الوجوه يصلح لهذا فترى النافين يتمسّكون تارة بما فى الاول و اخرى بما فى الثانى و هكذا كما ستطلع على ذلك فى تضاعيف ادلتهم ثم ان كلمات اكثرهم متفقة على نفى التلازم الظاهرى بمعنى حجّية العقل فى اثبات الاحكام الشرعيّة بل كلمات كلهم و ليس كل كلامهم فى باب اثبات التلازم الواقعى بل المتراءى من محققيهم لزوم عدم صدور الحكم الشرعى على خلاف الحكم العقلى الخالص المطابق للواقع مط نعم التزم بعضهم عدم الامر بالقبيح و النهى عن الحسن العقليين و لم يلتزم عدم الامر بغير الحسن العقلى و النهى عن غير القبح العقلى و قد يتراءى من بعضهم عدم لزوم التلازم بينهما لا واقعا و لا ظاهرا و لكن بعد امعان النّظر فى كلامه ترى نزاعه مما يرجع الى النزاع اللفظى حيث يقول ان عقولنا لا يحيط بالجهات الواقعية حتى يحكم بلزوم صدور الحكم الشرعى على طبقه فمفاده لزوم صدور الحكم على وفق الحكم العقل الخالص المطابق للواقع و كيف كان
فى بيان الأقوال فى المسألة
ففى المسألة اقوال ثالثها الحكم بالحجّية فى العقائد خاصّة و رابعها الحكم بالحجّية فى الضروريّات خاصّة و قد توقّف شيخ الاشعرى بعد تنزيله عن اصله و قبل الخوض فى احقاق الحق لا بد من الاشارة الى امر و هو ان بعض المعاصرين قد سلك فى المسألة مسلكا آخر حيث عنون للقضيتين عنوانا واحدا و نفى التلازم و التطابق على كل واحدة من القضيّتين بالنسبة الى مرحلة الواقع و اثبت استلزام حكم العقل حكم الشّرع بالنسبة الى مرحلة الظّاهر فحاصل كلامه فى تحرير محل النزاع ان الكلام يرجع الى مقامين الاول ان العقل اذا ادرك جهات الفعل من حسن او قبح فحكم بوجوبه او حرمته فهل يكشف ذلك عن حكمه الشرعى و يستلزم ان يكون قد حكم على حسنه من وجوب او حرمة او غير ذلك او لا يستلزم ثم عدم الاستلزام كما قد يكون بحكم الشارع بخلاف ما حكم به العقل كذا قد يكون بعدم حكم له فى هذه القضية التى حكم العقل فيها بشيء و هذا الاخير مبنىّ على جواز خلو الواقعة عن الحكم راسا و الثانى ان عقولنا اذا ادركت الحكم الشرعى و جزمت به فهل يجوز لنا اتباعها و يثبت بذلك الحكم فى حقنا او لا و هذا النزاع انما يتصور اذا لم يقطع العقل بالحكم الفعلى بل قطع فى الحكم بالجملة بان احتمل عنده اشتراط فعليته باستفادته من طريق النقل و اما لو قطع بالتكليف الفعلى بان ادركه مط غير متوقف على دلالة سمعى عليه فالشك فى ثبوته غير معقول قال فالحق عندى فى المقام الاوّل ان لا ملازمة عقلا بين حسن الفعل و قبحه و بين وقوع التكليف على حسبه و انما الملازمة بين حسن التكليف بالفعل او الترك و بين وقوعه نعم جهات الفعل من جملة جهات التكليف فقد يقتضى حسن الفعل او قبحه حسن التكليف به او بتركه و قد لا يقتضى لمعارضة جهة اخرى فى نفس التكليف هذا اذ اريد بالملازمة الواقعية منها و لو اريد بها الملازمة و لو بحسب الظاهر فالظ ثبوتها لكن المستفاد من كلمات القوم ارادة الاول هذا اذا عرفت فاعلم ان الحق و التحقيق هو حجّية احكام العقل فى مرحلة الظاهر و ان كان ادراكاته مختلطة مع ادراكات الوهم فى الواقع كما ان الحق لزوم التطبيق و الانطباق بين الاحكام العقلية الواقعية و بين الاحكام الشرعيّة فى مرحلة الواقع مط فلا يجوز اباحة ما حرم فى الواقع و لا الحكم باحد من الاحكام الاربعة للمباح الواقعى و هكذا كما لا يجوز الامر بالحرام العقلى الواقعى و لو ندبا و النهى عن الواجب العقلى الواقعى و لو تنزيها فيقع كلامنا فى ذكر ادلتنا و ادلة الخصوم فى مقامين الاول ما اشير اليه و الثانى فى ثانية فنخوض فى الكلام فى الاول فاعلم ان الاصل الاصيل فى المسألة على طبق قول منكرى الحجّية سواء كان المنكر ممن ينكر الحجية لانكاره حاكمية العقل بالملازمة ام ممن ينكر الحجّية و يقول بحاكمية العقل فعلى الاول يكون اصالة عدم ادراك العقل الملازمة على طبقه و هذا ظاهر و على الثانى الاصل هو اصالة البراءة و التمسّك بهما لا يتوقف على اثبات حجّية العقل لان مدركهما ليس منحصرا فى العقل لكن هذين الاصلين مما لا يقاوم لما مرّ و لما ياتى فنقول ان منكرى الحجيّة لانكاره حاكمية العقل بالملازمة المنبعث من الوجوه الاربعة يعود نزاعهم الى النزاع الصّغروى فلا يستاهلون للجواب لانه لا حجة لمن لا يعلم على من يعلم فنقول التكليف الشرعى الذى هو طلب اللّه تعالى شيئا من عباده فعلا او تركا مع المنع من النقيض الذى لازمه استحقاق الثواب او العقاب بالنّسبة الى كل شخص ليس الا على حسب دركه الطلب و فهمه اياه و ليس مكلفا بسبب الطلب الواقعى فالكلام هنا كالكلام فى الخطابات الشرعيّة فى الوصول و الفهم فكل مكلف بما وصل اليه و فهم انه تكليفه فالقاطع بحاكمية العقل الملازمة قطعه حجة له و هذا الوجه و ان لم يكن