خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١٣٩ - فيما يتوهم من لزوم التناقض بين الاباحة العقلية و الخطر العقلى و دفعها
العقل و لو ببعض افراده كعقول الانبياء و الاوصياء (ع) فى القسم الاول و على عدم ادراكه و لو ببعض افراده فى القسم الثانى ان العقل فى مسئلة الحسن و القبح مما قد عرف معناه كما قد عرف ان ادراكه كما يكون ضروريا كذا يكون نظريا فعدم ادراك العقول كلها و لو بعد التخلية عن شوائب الاوهام و العجز عن البرهان كاشف عن عدم كون الشيء مما يستقل به العقل بحسب الجنس من حيث هو هو و انكشاف حقايق الاشياء عند عقل بعض الانبياء و الاوصياء (ع) و ادراكه اياها و على ما هى عليه فى نفس الامر بالفيض الخاص و الموهبة الخاصة الغير المتعدية الى غير هؤلاء مما لا دخل له فى الباب فلا يعد مثل ذلك مما يستقل به العقل فما ذكر غير مستقيم جدّا و عدم انحصار القسم مضرّ قطعا و الشواهد على عدم كون ما ذكره مراد القوم فى كلماتهم و مقالاتهم لائحة لامعة و على توجيه ما ذكر و تصحيحه بحيث يخرج به عن درجة غاية الفساد مما لا يثمر فى الباب [١] و من هنا ينقدح عدم استقامة تقريره الثانى و توجيهه الاخير المتسع دائرته على زعمه ايضا فلا يفحم مثل المحقق الثالث بمثل هذا الكلام الخارج عن الانتظام و لا يلزم به و اما ما يذكره مما يدفع به التناقض فهو مما سبقه فيه غير واحد و ستعرف ما يميز به الغث عن السمين و الهزل عن الجدّ فيه فان قلت اذا كنت على بيّنة على خلاف ما عليه المحقق الثالث فى الدعوى المذكورة من نفيه المباح العقلى مما يستقل به العقل و يتفق عليه القائلون بالتحسين و التقبيح فات بمثال و الزمه فى المقال او التزم ما قال و ان كان على خلاف وتيرة القوم فانما يتبع الحق او التزم مقالة العائل المتقدم فانه مما يدفع به مقالة المحقق الثالث و لا تتوغل فى تزيف كلامه و ابطال مرامه فان بعد البناء على عدم استقامة مرام المحقق الثالث و العجز عن ايراد مثال فى قباله لا تقضى و لا مناص الا بالتزام قول هذا القائل و قبول مرامه قلت لا التزم واحدا مما ذكر و كيف لا فكل يخرج عن وتيرة القوم و سننهم لكن انى بالمثال ليتضح المقال فاقول المثال للمباح العقلى الواقعى فيما يستقل به العقل التنفس فى الهواء و شرب الماء عند العطش فان قلت انّ هذا خارج عن النزاع و داخل فى الواجب قلت ان الواجب منه ما يملك الإنسان بتركه او يتضرّر فالزائد عليه جائز و مباح و خروجه عن محل النزاع فى هذه المسألة لا يستلزم ان لا يكون مما يستقل به العقل فلا شكّ ان الحاكم بجوازه هو العقل فهو من المباح الواقعى فان قلت لا نم ان مثل هذا جائز بل هو ايضا داخل فى النزاع كما افاده كلام الشيخ فى العدة قلت لا تعويل على كلامه فى قبال اطلاقات كلمات القوم مع تصريح البعض فان قلت ان هذا مما لا ينكره منكرى التحسين و التقبيح ايضا فعلم انه خارج عن هذا الباب قلت ان هذا الانتساب ليس فى محلّه فهم ينفون فى حكم العقل فى مثل هذا ايضا فخذ الكلام بمجامعه و تامل ثم اعلم ان الاجوبة التى ذكروها فى دفع التناقض قد اشرنا الى بعضها و هو ان عدم ادراك العقل حين قطع النظر عن كونه مجهولا و ادراكه بالحكم بالاباحة او الحظر بالنظر الى ذلك فلا تدافع و يقرب منه ما ذكره بعضهم من ان المراد ان الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة او مقبحة كاكل الفواكه مثلا و لا يحكم فيه بحكم خاص تفصيلى فى فعل يحكم العقل فيها على الاجمال انها مباحة او محرّمة عند العقل هذا و قد اورد على الاول ان حكم المبيح بالاباحة و الحاظر بالخطر ليس من جهة كونه مجهول الحكم عند العقل بل لانه منفعة ما دون فيها او تصرف فى ملك الغير بغير اذنه فكيف يجعل محل النزاع مجهول الحكم مع ان مقتضى دليل الباحثين علمهم بالحكم و القول بانّ مقتضى ذلك دليلهم بالنظر الى ظاهر الحال و قد يتبدّل الحكم بظهور خلافه فيعلم ان الحكم السّابق انما كان حكمه مجهول الحكم و بعبارة اخرى ان الجهل اعمّ من البسيط و المركب فاذا حكم الحاكم بالاباحة او الخطر بالدليل ثم انكشف الخلاف تبيّن ان ذلك كان حكمه من حيث خطائه و جهالته بالحكم و ح فلا منافاة بين العلم بالحكم و بين كون الموضوع مجهول الحكم مدفوع بانه كلام سار فى ساير المطالب المعلومة فكثيرا ما يعلم حكم الشيء بالضّرورة او
النظر ثم يظهر خلافه و لا يلزم منه ان يكون ذلك حكم الشيء من حيث انه مجهول الحكم بل وظيفة الناظر فى كل وقت انما هى التخلية التامة و البناء على ما ادى اليه نظره سواء صادف الواقع ام لا نعم هذا يجرى فيما لا نصّ فيه من الاحكام التى لا مسرح للعقل فيها كوجوب غسل الجمعة فان حكمه قبل ثبوت الشرع من حيث هو مجهول عدم الوجوب لا مع قطع النظر عنه و اين هو من الحكم بالاباحة هذا و اعترض عليه بان حكم المبيح و الحاظر بالاباحة و الخطر من جهة كونه منفعة ماذونا فيها او تصرّفا بغير الاذن لا ينافى كونه باعتبار جهالة الحكم ايضا كيف و تلك الجهتان انما تثبتان لمواردهما عندهم باعتبار هذه الجهة و سوق ادلتهم على هذا النحو من العنوان دليل على المط فكون الشيء مجهول الحكم دليل اصولى على حكمه لا منطقى ثم ان ما ذكرنا من انه مدفوع بانه كلام الخ مما لا يدفع به ما تقدم و التحقيق فى دفعه ان يقال ان القاطع بثبوت حكم فى حقه من حيث انه مصيب بقطعه الواقع لا من حيث انه مخطئ فى اصابته و ان حكمه حال خطائه ذلك نعم اذا انكشف له الخلاف تبين عنده ان ذلك كان حكمه من حيث خطائه فى اصابة الواقع لا من حيث اصابته له و ظاهر ان الكلام فى المقام انما هو بالنسبة الى حال القطع و اما بالنسبة الى حال انكشاف الخلاف فيبقى اشكال التدافع بين فرض العنوان مجهول الحكمة مع قضاء الدليل بالعلم بالحكم بحاله ثم ان ما فى ذيل الايراد ليس بسديد ايضا لان العقل كما يحكم فيه بعدم الوجوب كل ينفى الثلاثة فتعيّن الاباحة لانحصار الانحصار الاحكام فى الخمسة و بعد ملاحظة الملازمة بين حكم العقل و الشرع يحكم بان حكم الشرع فيه ايضا الاباحة ما لم يعم دليل على خلافه هذا و هذا جملة الكلام فى بيان وجه من الوجوه التى تدفع بها التناقض و تمام الكلام
[١] ما لا يخفى على ذوى الالباب