تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٠ - ذكر خبر فتح البذ مدينه بابك
العساكر قد احدقت به وقف، فنظر إليهما، فقالا له: انزل، فقال: و من أنتما؟ فقال أحدهما: انا ابو سعيد، و الآخر: انا بوزباره، فقال: نعم، و ثنى رجله، فنزل، و كان ابن سنباط ينظر اليه، فرفع راسه الى ابن سنباط فشتمه، و قال: انما بعتني لليهود بالشيء اليسير، لو اردت المال و طلبته لأعطيتك اكثر مما يعطيك هؤلاء، فقال له ابو سعيد: قم فاركب، قال: نعم.
فحملوه و جاءوا به الى الافشين، فلما قرب من العسكر صعد الافشين برزند، فضربت له خيمه على برزند، و امر الناس فاصطفوا صفين، و جلس الافشين في فازه، و جاءوا به، و امر الافشين الا يتركوا عربيا يدخل بين الصفين فرقا ان يقتله انسان او يجرحه ممن قتل أولياءه، او صنع به داهيه.
و كان قد صار الى الافشين نساء كثير و صبيان، ذكروا ان بابك كان اسرهم، و انهم احرار من العرب و الدهاقين، فامر الافشين فجعلت لهم حظيرة كبيره، و اسكنهم فيها، و اجرى لهم الخبز، و امرهم ان يكتبوا الى أوليائهم حيث كانوا، فكان كل من جاء فعرف امراه او صبيا او جاريه، و اقام شاهدين انه يعرفها و انها حرمه له او قرابه دفعها اليه، فجاء الناس، فأخذوا منهم خلقا كثيرا، و بقي منهم ناس كثير ينتظرون ان يجيء أولياؤهم.
و لما كان ذلك اليوم الذى امر الافشين الناس ان يصطفوا، فصار بين بابك و بينه قدر نصف ميل، انزل بابك يمشى بين الصفين في دراعته و عمامته و خفيه، حتى جاء فوقف بين يدي الافشين فنظر اليه الافشين، ثم قال: انزلوا به الى العسكر، فنزلوا به راكبا، فلما نظر النساء و الصبيان الذين في الحظيرة اليه لطموا على وجوههم، و صاحوا و بكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال لهم الافشين: أنتم بالأمس، تقولون أسرنا، و أنتم اليوم تبكون عليه! عليكم لعنه الله قالوا: كان يحسن إلينا فامر به الافشين فادخل بيتا، و وكل به رجالا من اصحابه.
و كان عبد الله أخو بابك لما اقام بابك عند ابن سنباط، صار الى عيسى