تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٠٤ - شغب الجند و العامه ببغداد و ولايه سليمان بن عبد الله بن طاهر عليها
أكرهوا على ذلك تعاقدوا مباينته، و خلع من يسومهم اياه، و أحال الشاه بن ميكال و الحسين بن اسماعيل و المظفر بن سيسل على كراهة القوم، فرجع الرسول بذلك الى سليمان، فرده اليهم بكلام دون ذلك، و وعدهم و قال: انا أثق بقولكم و ضمانكم دون ايمانكم و عهودكم ثم استوى جالسا.
و ذكر انه لم يزل مستثقلا محمد بن أوس و من لحق به من الصعاليك و غيرهم، عارفا بسوء رغبتهم و رداءه مذاهبهم، و بسوم محمد بن أوس في نفسه خاصه و محبته و شروعه في كل ما دعا الى خلاف و فرقه، و اسبغ هذا المعنى، و كثر فيه حتى خرج به الى الاغراق فيه، الى ان قال: لقد كنت ادخل في قنوتى في الصلاة طلب الراحة من ابن أوس ثم التفت الى محمد بن على بن طاهر، فأمره بالمصير الى ابن أوس، و التقدم اليه في العزم على الانصراف الى خراسان، و ان يعلمه انه لا سبيل له الى الرجوع الى مدينه السلام، و لا الى تولى شيء من الأمور التي يتولاها لسليمان.
فلما تناهى الخبر الى ابن أوس رحل من الشماسيه، فصار في رقه البردان على دجلة، فأقام بها أياما حتى اجتمع اليه من تفرق من اصحابه، رحل فنزل النهروان، فلم يزل بها مقيما و قد كان كتب الى بايكباك و صالح ابن وصيف يعرض عليهما نفسه، و يشكو إليهما ما نزل به، فلم يجد عنده شيئا مما قصد، و قد كان محمد بن عيسى بن عبد الرحمن مقيما بسامرا لينجز امور سليمان، و كان كارها لابن أوس، منحرفا عنه و كان ابن أوس مضطرب الأمر لسوء محضر محمد بن عيسى الكاتب، فلما انقطعت عن ابن أوس و اصحابه المادة، تعبثوا باهل القرى و السابلة، و أكثروا الغارات و النهب، و رحل حتى نزل النهروان.
فذكر عن بعض من قصدوه لينتهبوه، فذكرهم المعاد، و خوفهم الله انهم ردوا عليه ان قالوا له: ان كان النهب و القتل جائزا في مدينه السلام، و هي قبة الاسلام، و دار عز السلطان، فما استنكار ذلك في الصحارى و البراري!