تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٦٧ - امر المعتز مع اهل بغداد
حرك حمل، و ان نهش قتل، عدته عتيده، و نقمته شديده، يلقى الجيش في النفر القليل العدد بقلب أشد من الحديد طالب للثار، لا يفله العساكر، باسل الباس، مقتضب الانفاس لا يعوزه ما طلب، و لا يفوته من هرب، و ارى الزناد، مطلع العماد، لا تشرهه الرغائب، و لا تعجزه النوائب، ان ولى كفى، و ان وعد وفى، و ان نازل فبطل، و ان قال فعل، ظله لوليه ظليل، و بأسه في الهياج عليه دليل، يفوق من ساماه، و يعجز من ناواه، و يتعب من جاراه، و ينعش من والاه.
فقام اليه رجل من القوم، فقال: قد جمع الله لك يا امير المؤمنين فضائل الأدب، و خصك بارث النبوه، و القى إليك ازمه الحكمه، و وفر نصيبك من حباء الكرامه، و فسح لك في الفهم، و نور قلبك بانفس العلوم و صفاء الذهن، فافصح عن القلب البيان، و ادرك فهمك يا امير المؤمنين ما و الله خبىء على من لم يحب بما حبيت من المنن العظام، و الأيادي الجسام، و الفضائل المحموده، و شرف الطباع فنطقت الحكمه على لسانك، فما ظننته فهو صواب، و ما فهمته فهو الحق الذى لا يعاب، و أنت و الله يا امير المؤمنين نسيج وحده، و قريع دهره، لا يبلغ كليه فضله الوصف، و لا يحصر اجزاء شرف فضله النعت.
ثم امر امير المؤمنين بالعقد لأنصاره على النواحي، و اطلقهم في اشعار اعدائهم و ابشارهم و دمائهم، فلما بلغ محمد بن عبد الله ما امر به في النواحي أنشأ كتابا نسخته:
اما بعد فان زيغ الهوى صدف بكم عن حزم الرأي، فاقحمكم حبائل الخطا، و لو ملكتم الحق عليكم، و حكمتم به فيكم لاوردكم البصيره، و نفى عنكم غيايه الحيرة، و الان فان تجنحوا للسلم تحقنوا دماءكم، و ترغدوا عيشكم، و يصفح امير المؤمنين عن جريره جارمكم، و اخلى لكم ذروه سبوغ النعمه عليكم، و ان مضيتم على غلوائكم، و سول لكم الأمل اسوا اعمالكم، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، بعد نبذ المعذرة إليكم، و اقامه الحجه عليكم،