تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٥٩ - ذكر الفتنة بين جند بغداد و اصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر
فلما راى الذين بالجانب الشرقى منهم ان اصحابهم قد أزالوا اصحاب ابن طاهر عن الجسر كبروا، و حملوا يريدون العبور الى اصحابهم، و كان ابن طاهر قد اعد سفينه فيها شوك و قصب ليضرم فيها النار، و يرسلها على الجسر الأعلى، ففعل ذلك، فاحرقت عامه سفنه و قطعته، و صارت الى الآخر، فأدركها اهل الجانب الغربي، ففرقوها و أطفئوا النار التي تعلقت بسفن الجسر و عبر من الجانب الشرقى الى الجانب الغربي خلق كثير، و دفعوا اصحاب ابن طاهر عن ساباط عمرو بن مسعده، و صاروا الى باب ابن طاهر، و صار الشاكريه و الجند الى ساباط عمرو بن مسعده، و قتل من الفريقين الى الظهر نحو من عشره نفر، و صار جماعه من الغوغاء و العامه الى المجلس الذى يعرف بمجلس الشرطه في الجسر.
من الجانب الغربي الى بيت يقال له بيت الرفوع، فكسروا الباب، و انتهبوا ما فيه، و كان فيه اصناف من المتاع، فاقتتلوا عليه فلم يتركوا فيه شيئا، و كان كثيرا جليلا و احرق ابن طاهر الجسرين لما راى الجند قد ظهروا على اصحابه، و امر بالحوانيت التي على باب الجسر التي تتصل بدرب سليمان ان تحرق يمنه و يسره، ففعل فاحترق فيها للتجار متاع كثير، و تهدم حيطان مجلس صاحب الشرطه، فلما ضربت الحوانيت بالنار حالت النار بين الفريقين، و كبرت الجند عند ذلك تكبيره شديده، ثم انصرفوا الى معسكرهم بباب حرب، و صار الحسين بن اسماعيل مع جماعه من القواد و الشاكريه الى باب الشام، فوقف على التجار و العامه فوبخهم على معونتهم الجند، و قال:
هؤلاء قاتلوا على خبزهم و هم معذورون، و أنتم جيران الأمير و من يجب عليه نصرته، فلم فعلتم ما فعلتم، و اعنتم الشاكريه عليه و رميتم بالحجارة، و الأمير متحول عنكم! ثم صار محمد بن ابى عون اليهم، فقال لهم مثل ذلك، و انصرف الى ابن طاهر، فمكث الجند المشتغبون في مواضعهم و معسكرهم، و انضم الى ابن طاهر جماعه من الإثبات و جمع جميع اصحابه، فجعل بعضهم في داره، و بعضهم في الشارع النافذ من الجسر الى داره، قد عباهم تعبئة الحرب، حذارا من كره الجند عليه أياما، فلم يكن لهم عوده، فصار في بعض الأيام