تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٩٨ - خبر عبور الموفق الى مدينه صاحب الزنج لحربه
حتى وافوا بهم طرف ميدان الفاسق، و انتهى اليه خبر هزيمه اصحابه و دخول اصحاب الموفق مدينته من أقطارها، فركب في جمع من اصحابه، فتلقاه اصحاب الموفق، و هم يعرفونه في طرف ميدانه، فحملوا عليه، فتفرق عنه اصحابه و من كان معه و افردوه، و قرب منه بعض الرجاله حتى ضرب وجه فرسه بترسه، و كان ذلك مع مغيب الشمس، فامر الموفق اصحابه بالرجوع الى سفنهم، فرجعوا سالمين، قد حملوا من رءوس الخبثاء شيئا كثيرا، و نالوا كل الذى أحبوا منهم من قتل و جراح و تحريق منازل و اسواق، و قد كان استامن الى ابى العباس في أول النهار عدد من قواد الفاجر و فرسانه، فاحتاج الى التوقف على حملهم في السفن، و اظلم الليل، و هبت ريح شمال عاصف، و قوى الجزر، فلصق اكثر السفن بالطين.
و حرض الخبيث اشياعه و استنجدهم، فبانت منهم جماعه، و شدوا على السفن المتخلفه، فنالوا منها نيلا، و قتلوا فيها نفرا، و قد كان بهبوذ بإزاء مسرور البلخى و اصحابه في هذا اليوم في نهر الغربي، فاوقع بهم، و قتل جماعه منهم، و اسر أسارى، و صارت في يده دواب من دوابهم، فكسر ذلك نشاط اصحاب الموفق و قد كان الخبيث اخرج في هذا اليوم جميع شذواته الى دجلة محاربين فيها رشيقا، و ضرب منها رشيق على عده شذوات، و غرق منها و حرق، و انهزم الباقون الى نهر ابى الخصيب.
و ذكر انه نزل في هذا اليوم بالفاسق و اصحابه ما دعاهم الى التفرق و الهرب على وجوههم نحو نهر الأمير و القندل و ابرسان و عبادان و سائر القرى، و هرب يومئذ اخوا سليمان بن موسى الشعراني: محمد و عيسى، فمضيا يؤمان البادية، حتى انتهى إليهما رجوع اصحاب الموفق، فرجعا، و هرب جماعه من العرب الذين كانوا في عسكر الفاسق، و صاروا الى البصره، و بعثوا يطلبون الامان من ابى احمد، فامنهم، و وجه اليهم السفن، فحملهم الى الموفقيه، و امر ان يخلع عليهم، و يوصلوا، و يجرى عليهم الأرزاق و الأنزال، ففعل ذلك بهم