تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٧٣ - امر المتوكل مع النصارى
مما غمط فيه اهل الأديان من ردىء المطعم و المشرب و المنكح لينزههم عنه و ليظهر به دينهم، ليفضلهم عليهم تفضيلا: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ» الى آخر الآية، ثم ختم ما حرم عليهم من ذلك في هذه الآية بحراسة دينه، ممن عند عنه و باتمام نعمته على اهله الذين اصطفاهم، فقال عز و جل: «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» الآية، و قال عز و جل: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ» و قال:
«إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» الآية، فحرم على المسلمين من مآكل اهل الأديان ارجسها و انجسها، و من شرابهم ادعاه الى العداوة و البغضاء، و اصده عن ذكر الله و عن الصلاة، و من مناكحهم أعظمها عنده وزرا، و أولاها عند ذوى الحجى و الألباب تحريما، ثم حباهم محاسن الأخلاق و فضائل الكرامات، فجعلهم اهل الايمان و الأمانة، و الفضل و التراحم و اليقين و الصدق، و لم يجعل في دينهم التقاطع و التدابر، و لا الحمية و لا التكبر، و لا الخيانة و لا الغدر، و لا التباغى و لا التظالم، بل امر بالأولى و نهى عن الاخرى، و وعد و اوعد عليها جنته و ناره، و ثوابه و عقابه، فالمسلمون بما اختصهم الله من كرامته، و جعل لهم من الفضيلة بدينهم الذى اختاره لهم، بائنون على الأديان بشرائعهم الزاكية، و احكامهم المرضية الطاهره، و براهينهم المنيره، و بتطهير الله دينهم بما أحل و حرم فيه لهم و عليهم، قضاء من الله عز و جل في اعزاز دينه، حتما و مشيئه منه في اظهار حقه ماضيه، و اراده منه في اتمام نعمته على اهله نافذه «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»، و ليجعل الله الفوز و العاقبه للمتقين، و الخزي في الدنيا و الآخرة على الكافرين.
و قد راى امير المؤمنين- و بالله توفيقه و ارشاده- ان يحمل اهل الذمة جميعا