تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٨٩ - سوف سوف
قال أَلا تَرَى أَنَّك سَوَّفْتَهُ [١] ، إذا قلتَ له مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ: سوف أَفْعَلُ، و لا يُفْصَلُ بينَهَا و بينَ أَفْعَلُ، لأَنَّهَا بمَنْزِلَةِ السِّينِ في سَيَفْعَلُ، و قال ابنُ دُرَيْدٍ: سوف : كلمةٌ تُسْتَعْمَلُ في التَّهْدِيدِ، و الْوَعِيدِ، و الْوَعْدِ، فإِذا شِئْتَ أَنْ تَجْعَلَهَا اسْماً نَوَّنْتَهَا، وَ أَنْشَدَ:
إنَّ سَوْفاً و إنَّ لَيْتاً عَنَاءُ
وَ يُرْوَى:
إنَّ لَوًّا و إنَّ لَيْتاً عَنَاءُ.
فنَوَّنَ إِذْ جَعَلَهُمَا اسْمَيْن، قال الصَّاغَانِيُّ: الشِّعْرُ لأَبِي زُبَيْدٍ الطَّائِيِّ، و سِياقُهُ:
لَيْتَ شِعْرِي و أَيْنَ مِنّيَ لَيْتٌ # إنَّ لَيْتاً و إنَّ لوًّا عَنَاءُ
وَ ليس في رِوَايَةٍ مِن الرِّوايَاتِ: «إنَّ سَوْفاً » [٢] .
ثم قال ابنُ دُرَيْدٍ: و ذكَر أصْحابُ الخَلِيلِ، عنه، أَنَّه قال لأَبي الدُّقَيْشِ: هل لَكَ في الرُّطَبِ؟قال: أَسْرَعُ هَلٍّ، فجَعَلَهُ اسْماً، و نَوَّنَهُ، قال: و البَصْرِيُونَ يَدْفَعُون هََذا.
و مِن المَجَازِ: يُقَال: فُلاَنٌ يَقْتَاتُ السَّوْفَ ، أيْ: يَعِيشُ بِالْأَمَانِيِّ، وَ كذلك قَوْلُهُم: و ما قُوتُه إِلاَّ السَّوْفُ ، كما في الأَساسِ [٣] .
و الفَيْلَسُوفُ : كلمةٌ يُونَانِيَّةٌ، أيْ: مُحِبُّ الْحِكْمَةِ، أَصْلُهُ فَيْلاَ سُوفَا ، و فَيْلاَ: هُو الْمُحِبُّ، و سُوفَا : و هو الْحِكْمَةُ، وَ الاسْمُ، منه الْفَلْسَفَةُ، مُرَكَّبَةً، كَالْحَوْقَلَةِ، وَ الحَمْدَلَةِ وَ السَّبْحَلَةِ [٤] ، كما في العُبَابِ.
و أَسَافَ الرَّجُلُ، إِسَافَةٍ : هَلَكَ مَالُهُ، فهو مُسِيفٌ ، كما في الصِّحاحِ، و هو قَوْلُ ابنِ السِّكِّيتِ.
وَ قال غيرُه: أَسافَ الرَّجُلُ: وَقَعَ في مَالِهِ السَّوَافُ ، قال طُفَيْلٌ:
فَأَبَّلَ و اسْتَرْخَى بِهِ الْخَطْبُ بَعْدَ مَا # أَسَافَ و لَوْلاَ سَعْيُنَا لم يُؤَبَّلِ
١٧- وَ في حديثِ الدُّؤَلِيِ [٥] : «وقَفَ عليَّ أَعْرَابِيُّ، فقَالَ:
«أَكَلَنِي الفَقْرُ، و رَدَّنِي الدَّهْرُ ضَعِيفاً مُسِيفاً » .
و قال أَبو عُبَيْدٍ: أَساف الْخَارِزُ، إِسافَةً : أَثَأَى، فَانْخَرَمَتِ الْخُرْزَتَانِ. وَ أَسَافَ الخَرْزَ: خَرَمَهُ، قال الرَّاعِي:
كأَنَّ العُيُونَ المُرْسِلاَتِ عَشِيَّةً # شَآبِيبَ دَمْعٍ لم يَجِدْ مُتَرَدَّدَا
مَزَائِدُ خَرْقَاءِ الْيَدَيْنِ مُسِيفَةٍ # أَخَبَّ بِهِنَّ الْمُخْلِفَانِ و أَحْفَدَا [٦]
و قال ابنُ عَبَّادٍ: أَسَافَ الْوَالِدَانِ، إذا مَاتَ وَلَدُهُمَا، فَالوَلَدُ مُسَافٌ ، و أَبُوهُ مُسِيفٌ ، و أُمُّهُ مِسْيَافٌ و في المثلِ:
« أَسَافَ حتى مَا يَشْتَكِي السَّوَافَ ، » قال الجَوْهَرِيُّ: يُضْرَبُ لِمَنْ تَعَوَّدَ الْحَوَادِثَ، نَعُوذُ باللََّه مِنْ ذََلِك، و أَنْشَدَ لِحُمَيْدِ بنِ ثَوْرٍ:
فَيَا لَهُمَا مِنْ مُرْسَلَيْنِ لِحَاجَةٍ # أَسَافَا مِنَ الْمَالِ التِّلاَدَ و أَعْدَمَا
وَ في الأَسَاسِ: لِمَنْ مَرَنَ [٧] علَى الشَّدَائِدِ، و يُقَال:
«أَصْبَرُ علَى السَّوافِ مِن ثَالِثَةِ الأَثَافِ» .
و سَوَّفْتُهُ ، تَسْوِيفاً : مَطَلْتُهُ، وَ ذََلك إذا قلتَ: سوفَ أَفْعَلُ، قال ابنُ جِنِّي: و هذا كما ترى مُأْخُوذٌ مِن الحَرْفِ، و في شَرْحِ نهجِ البَلاغَةِ لابْنِ أَبي الحَدِيدِ، أنَّ أَكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ التَّسْوِيفُ للوَعْدِ الذي لا إِنْجَازَ له، نَقَلَهُ شَيْخُنَا.
و حكَى أَبو زَيْدٍ: سَوَّفْتُ فُلاَنًا أَمْرِي: أي مَلَّكْتُهُ إِيَّاهُ، وَ حَكَّمْتُهُ فيه يَصْنَعُ ما يشاءُ، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، و كذلك:
سَوَّمْتُهُ.
و قال ابنُ عَبَّادٍ: رَكِيَّةٌ مُسَوِّفَةٌ ، كَمُحَدِّثَةٌ، أي يُقَالُ:
____________
(١) عن الصحاح و اللسان و بالأصل «شوقته» .
(٢) وردت الرواية في الجمهرة ٣/٤٠ و فيها: و يروى: «إن لوًّا» .
(٣) و شاهده، كما في الأساس، قول الكميت:
وَ كان السوف للفتيان قوتاً # تعيش به و هنّئت الرقوبُ.
(٤) كلمات منحوتة من: لا حول و لا قوة إلا باللََّه، و الحمد للََّه و سبحان اللََّه.
(٥) عن اللسان و بالأصل «الديلي» .
(٦) البيتان في ديوانه ص ٨٨ ط بيروت، و انظر تخريجهما فيه، و في الديوان: «لم تجد» بدل «لم يجد» .
(٧) بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: لمن مرن، أي يضرب المثل لمن مرن» جاء في الأساس بعد ذكره المثل: أساف حتى ما يشتكي السواف.