تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٨ - بلغ بلغ
و هو من قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ [١] .
و جَيْشٌ بَلْغٌ كَذََلِكَ، أي: بالِغٌ .
و قال الفَرّاءُ: رَجُلٌ بِلْغٌ مِلْغٌ، بكَسْرِهِمَا: إِتْباعٌ، أي خَبِيثٌ مُتَنَاهٍ في الخَباثَةِ.
و البَلْغُ بالفَتْحِ، و يُكْسَرُ، و البِلَغُ كعِنَبٍ، و البَلاغَى مثل: سَكَارَى وَ حُبَارَى و مِثْلُ الثّانِيَةِ: أَمْرٌ بِرَحٌ، أي: مُبَرِّحٌ، وَ لَحْمٌ زِيَمٌ، و مَكانٌ سِوًى، و دِينٌ قِيَمٌ، و هو: البَلِيغُ الفَصِيحُ الَّذِي يَبْلُغُ بِعِبَارَتِه كُنْهَ ضَمِيرِه، وَ نِهَايَةَ مُرَادِه، و جَمعُ البَلِيغِ ، بُلَغََاءَ ، و قَدْ بَلُغَ الرَّجُلُ كَكَرُمَ بَلاغَةً ، قال شَيْخُنا:
وَ أَغْفَلَهُ المُصَنِّفُ تَقْصِيرًا، أي: ذِكْرَ المَصْدَرِ، و المَعْنَى:
صارَ بَلِيغاً .
قُلْتُ: و البَلاغَةُ عَلَى وَجْهَيْن [٢] :
أَحَدُهُما: أَنْ يَكُونَ بِذَاتِه بَلِيغاً وَ ذََلِكَ بأَنْ يَجْمَعَ ثَلاثَةَ أَوْصَافٍ: صَوَاباً في مَوْضوعِ لُغَتِه، و طِبْقًا للمَعْنَى المَقْصُودِ بِهِ، و صِدْقًا في نَفْسِهِ، و مَتَى اخْتُرِمَ وَصْفٌ مِنْ ذََلِكَ كانَ نَاقِصاً في البَلاغَة .
وَ الثاني: أَنْ يَكُونَ بَلِيغاً بِاعْتِبَارِ القائِلِ وَ المَقُولِ لَهُ، و هُو أَنْ يَقْصِدَ القائِلُ بهِ أَمْرًا مَا، فيُورِدَهُ عَلَى وَجْهٍ حَقِيقٍ أَنْ يَقْبَلَهُ المَقُولُ لَهُ.
وَ قَوْلُه تَعالَى: وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً [٣] ، يَحْتَمِل المَعْنَييْنِ، و قولُ مَنْ قالَ: مَعْناهُ: قُلْ لَهُمْ إِنْ أَظْهَرْتُمْ ما في أَنْفُسِكُمْ قُتِلْتُمْ، و قَوْلُ من قالَ: خَوِّفْهُمْ بمَكارِهَ تَنْزِلُ بِهِمْ، فإِشَارَةٌ إلى بَعْضِ ما يَقْتَضِيه عُمُومُ اللَّفْظِ، قالَهُ الرّاغِبُ.
١٧- وَ قَرَأْتُ في مُعْجَمِ الذَّهَبِيِّ، في تَرْجَمَةِ صُحارِ بنِ عَيّاشٍ العبْدِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنِ البَلاَغَةِ، فقَال:
«لا تُخْسِىءْ وَ لا تُبْطِىءْ» .
و البَلاغُ كسَحابٍ: الكِفَايَةُ، و هُوَ: ما يُتَبَلَّغُ بهِ وَ يُتَوَصَّلُ إلَى الشَّيءِ المَطْلُوبِ، و مِنْهُ قَوْلُه تَعالَى: إِنَّ فِي هََذََا لَبَلاََغاً لِقَوْمٍ عََابِدِينَ [٤] أي: كِفَايَةً، و كَذََا قَوْلُ الرّاجِزِ:
تَزَجَّ مِنْ دُنْيَاكَ بالبَلاغِ # و باكِرِ المِعْدَةَ بالدِّباغِ
بِكِسْرَةٍ جَيِّدَةِ المِضاعِ # بالمِلْحِ أو ما خَفَّ مِن صِباغِ
و البَلاغُ : الاسْمُ مِنَ الإِبْلاغٍ وَ التَّبْلِيغِ ؛ و هُمَا:
الإيصالُ، يُقَال: أَبْلَغَهُ الخَبَرَ إِبْلاغا ، و بَلَّغَهُ تَبْلِيغاً ، و الثّانِي أَكْثَرُ، قالَهُ الرّاغِبُ، و قَوْلُ أَبِي قَيْسِ بنِ الأَسْلَتِ السُّلَمي:
قالَتْ وَ لَم تَقْصِدْ لِقِيلِ الخَنَا: # مَهْلاً لَقَدْ أَبْلَغْتَ أَسْمَاعِي
هُوَ مِنْ ذََلِكَ، أي: قَد انْتَهَيْتَ فِيه، و أَوْصَلْتَ، و أَنْعَمْتَ.
وَ قَوْلُه تَعَالَى: هََذََا بَلاََغٌ لِلنََّاسِ [٥] أي: هََذا القُرْآن ذُو بَلاغٍ ، أي: بَيَانٍ كافٍ.
وَ قولُه تَعَالَى: فَهَلْ عَلَى اَلرُّسُلِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ [٦] ، أي: الإِبْلاغُ .
١٦- و في الحَدِيثِ : «كُلُّ رافِعَةٍ رَفَعَتْ عَلَيْنَا كذََا في العُبَابِ، وَ في اللّسَانِ: عَنّا مِنَ البَلاغِ فَقَدْ حَرَّمْتُهَا أَنْ تُعْضَدَ، أَو تُخْبَطَ، إلاّ لِعُصْفُورِ قَتَبٍ، أو مَسَدِّ مَحَالَةٍ، أو عَصَا حَدِيدَةٍ» .
يَعْنِي المَدِينَةَ عَلَى ساكِنِها أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَ السَّلامِ، و يُرْوَى بفَتْح الباءِ وَ كَسْرِهَا، فإِنْ كانَ بالفَتْحِ فلَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُما:
أي ما بَلَغَ [٧] مِن القُرْآنِ وَ السُّنَنِ، أو المَعْنَى: مِنْ ذَوِي البَلاغِ ، أي : الَّذِينَ بَلَّغُونا ، أيْ: مِنْ ذَوِي التَّبْلِيغِ و قد أَقامَ الاسْمَ مُقامَ المَصْدَرِ الحَقِيقِيِّ، كما تَقُول: أَعْطَيْتُ [٨] عَطاءً، كذا في التهْذِيبِ وَ العُبَاب، و يُرْوَى بالكَسْرِ، قال الهَرَوِيُّ:
أي: مِنْ المُبَالِغِينَ في التَّبْلِيغِ ، مِنْ بالَغَ يُبَالِغُ مُبَالَغَةً وَ بِلاغًا ، بالكَسْرِ: إذا اجْتَهَدَ في الأمْر و لَم يُقَصِّرْ، وَ المَعْنَى: كُلُّ جَماعَةٍ أَوْ نَفْسٍ تُبَلِّغُ عَنّا وَ تُذِيعُ ما نَقُولَهُ، فلْتُبَلِّغْ ولْتَحْكِ. قلتُ: و قدْ ذُكِرَ هََذا الحَدِيثُ في «ر ف ع» و يُرْوَى أَيْضاً: «مِنَ البُلاّغ » مِثَال الحُدّاثِ، بمَعْنَى المُحَدِّثِينَ، و قد أَسْبَقْنَا الإِشَارَةَ إِلَيْهِ، و كانَ عَلَى المُصَنِّفِ أَنْ يُوردَهُ هُنَا؛ لتَكْمُلَ لَه الإِحَاطَةُ.
[١] سورة الطلاق الآية ٣.
[٢] انظر المفردات «بلغ» .
[٣] سورة النساء الآية ٦٣.
[٤] سورة الأنبياء الآية ١٠٦.
[٥] سورة إبراهيم الآية ٥٢.
[٦] سورة النحل الآية ٣٥.
[٧] ضبطت في النهاية «بلّغ» بتشديد اللام، و اللسان كالأصل.
[٨] في النهاية وَ اللسان: أعطيته.