العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٣٠ - الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسىّ، و هو ثقيف، الثقفى، الطائفى، أبو محمد
كان أمر طارقا بالنزول بين أيلة، و وادى القرى، لمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، و يسد خللا إن ظهر له. فقدم طارق المدينة فى ذى الحجة فى خمسة آلاف.
و كان الحجاج قد قدم مكة فى ذى القعدة، و قد أحرم بحجة. فنزل بئر ميمون. و حج بالناس تلك السنة، إلا أنه لم يطف بالكعبة، و لا سعى بين الصفا و المروة، لمنع ابن الزبير له من ذلك، و لم يحج هو و لا أصحابه. و لما حصر الحجاج ابن الزبير بمكة، نصب المنجنيق على أبى قبيس و رمى به الكعبة.
و كان عبد اللّه بن عمر، قد حج تلك السنة، فأرسل إلى الحجاج، أن اتق اللّه و اكفف هذه الحجارة عن الناس، فإنك فى شهر حرام و بلد حرام، و قد قدمت وفود اللّه من أقطار الأرض ليؤدوا الفريضة و يزدادوا خيرا، و أن المنجنيق قد منعهم عن الطواف، فاكفف عن الرمى حتى يقضوا ما وجب عليهم بمكة. فبطل الرمى، حتى عاد الناس من عرفات، و طافوا و سعوا، فلما فرغوا من طواف الزيارة، نادى منادى الحجاج: انصرفوا إلى بلادكم، فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير. فأول ما رمى بالمنجنيق إلى الكعبة، رعدت السماء و برقت، و علا صوت الرعد على الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام، و أمسكوا أيديهم، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق بيده، فوضعها فيه، و رمى بها معهم.
فلما أصبحوا، جاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثنى عشر رجلا، فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: يا أهل الشام لا تنكروا هذا، فإنى ابن تهامة، و هذه صواعقها، و هذا الفتح قد حضر فأبشروا.
فلما كان الغد، جاءت صاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدة. فقال الحجاج:
ألا ترون أنهم يصابون و أنتم على الطاعة، و هم على خلافها. و لم يزل القتال بينهم دائما، فغلت الأسعار عند ابن الزبير، و أصاب الناس مجاعة شديدة، حتى ذبح فرسه و قسم لحمها بين أصحابه، و بيعت الدجاجة بعشرة دراهم، و المدّ الذرة بعشرين درهما، و إن بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا و شعيرا و ذرة و تمرا.
و كان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده، و كان يحفظ ذلك و لا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق و يقول: أنفس أصحابى قوية ما لم يفن.
فلما كان قبل مقتله، تفرق الناس عنه و خرجوا إلى الحجاج بالأمان. خرج من عنده نحو عشرة آلاف، و كان ممن فارقه، ابناه حمزة و حبيب، أخذ لأنفسهما أمانا.
و لما تفرق أصحابه عنه، خطب الناس الحجاج و قال: ما ترون قلة تابع ابن الزبير و ما