العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٥٤ - أحمد بن عبد الواحد بن مرى بن عبد الواحد بن نعام السعدى، المقدسى الأصل، تقى الدين أبو العباس الحورانى
الجامعين بين الفضل و الدين، و عنده جد و إقدام، و قوة نفس و تجرد و انقطاع. انتهى.
و وجدت بخط جدى أبى عبد اللّه الفاسى، أن الحورانى هذا، كان مشهورا بالزهد العظيم، حتى لقد أقام بمكة زمانا لا يرجع إلى مأوى معين، و لا يدخر شيئا من الدنيا.
و له فى هذا المعنى أخبار كثيرة، من شدة اطّراحه لنفسه و انسلاخه من الأسباب.
و وجدت بخط جدى أيضا، أنه سمع يحيى بن محمد الطبرى: سبط الشيخ سليمان بن خليل يقول: كان الشيخ تقى الدين الحورانى حسن الجواب فيما يسأل عنه. فقلت له فى ذلك، فقال لى: رأيت النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و تفل فى فمى.
فكان يرى أن هذه البركة من ذلك الأثر المبارك. انتهى.
و ذكر ابن رافع فى ذيل تاريخ بغداد، فقال: كان عارفا بالفقه و الفرائض، و كان شافعيا، و ذكر ابن رافع فى ترجمته: أن الإمام تقى الدين محمد بن الإمام شرف الدين الحسن بن على الصبرى، حكى له عن والده، أن التقى الحورانى هذا كان حنبليا، و أنه صحب الحورانى هذا بمكة مدة طويلة ليلا و نهارا، و كان ما يخطر بباله خاطر إلا كاشفه عليه، قال: فخطر ببالى يوما ما كان سبب حاله و ابتداء أمره فى سرى، فقال: كان بدو أمرى أنى كنت معيدا بالمدرسة المستنصرية ببغداد، و كنت ألازم الصوم، و كنت أفطر على المباحات التى يرمى بها و أغسلها بالماء و أتناولها، و كان خارج بغداد رجل صالح، و له مكتب، فكنت أجتمع له، فحصل لى منه خير كثير. انتهى.
و ذكره ابن مسدى فى معجمه، فقال بعد نسبه كما ذكرنا: تفقه بالشام و العراق، و تطور فى الآفاق، و سمع شيئا من الحديث بدمشق و حلب و بغداد، و نزل مكة، و لم يكن بالحافظ. و حدث بغير أصول، فوقع فى أمور لتفصيل جملتها غير هذه الفصول، قد أظهر التحلى بالتخلى، و أشار إلى التجلى، و له فى كل مقام مقال و دعوى لا تقال، لقيته بالحرم الشريف، و أنست بظاهره، فلم يتفق لنا خبره مع مخابره، ينسب إلى طلب رياسة ما يقتفيها، و دعوى طريق ما ينتهيها و ينتفيها، يعظم الدنيا و أمراها، و يحتقر صعاليكها و فقراها، إلا من يصفق له حين رقصه، و يكمل دعواه بنقصه. و ذكر أنه أنشده لنفسه هذه الأبيات [من البسيط]:
إن قلت فى اللفظ هذا النطق يجحده* * * أو قلت فى الأذن لم أسمع له خبرا
أو قلت فى العين قال الطرف لم أره* * * أو قلت فى القلب قال القلب ما خطرا
و قد تحيرت فى أمرى و أعجبه* * * أن ليس أسمع إلا عنهم و أرى