العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٠٢ - أعظم شاه بن إسكندر شاه، السلطان غياث الدين أبو المظفر
كان ملكا جليلا، له حظ من العلم و الخير، بعث إلى الحرمين غير مرة بصدقات طائلة، ففرقت بهما، و عم بذلك النفع، و بعث مع ذلك بمال لعمارة مدرستين: مدرسة بمكة، و مدرسة بالمدينة، و شراء عقار يوقف عليهما، ففعل له ذلك من ندبه.
و كان ابتداء عمارة المدرسة بمكة، فى شهر رمضان سنة ثلاث عشرة و ثمانمائة، و لم تنقض هذه السنة، حتى فرغ من عمارة سفلها، و غالب علوها، و كملت عمارتها فى النصف الأول من سنة أربع عشرة و ثمانمائة.
و فى جمادى الآخرة منها، ابتدئ فيها التدريس فى المذاهب الأربعة، و درست فيها لطائفة المالكية. و كان وقفها فى المحرم من هذه السنة. و فيه وقف عليها أصيلتان.
إحداهما: تعرف بسلمة، و الأخرى بالحلى، بالضيعة المعروف بالركانى، و أربع و جاب من قرار عين هذه الضيعة، ثنتان منها يعرفان بحسين منصور ليله و نهاره، و ثنتان يعرفان بحسين يحيى ليله و نهاره. و جعل ذلك خمسة أقسام: قسم للمدرسين الأربعة بالسوية بينهم، و ثلاثة أقسام للطلبة، و هم ستون نفرا، عشرون من الشافعية، و عشرون من الحنفية، و عشرة من المالكية، و عشرة من الحنابلة، بالسوية بينهم، و القسم الخامس، يقسم أثلاثا قسمان لسكان المدرسة، و هم عشرة رجال، و قسم لمصالحها.
و كان شراء هذا الوقف و موضع المدرسة، بإثنى عشر ألف مثقال ذهبا، و كان المتولى لشراء هذا الوقف و المدرسة و عمارتها، خادم السلطان المذكور: ياقوت الحبشى، و هو الذى تولى تفرقة صدقة السلطان بمكة، فى سنة ثلاث عشرة و ثمانمائة، و وقف المذكور على مصالح المدرسة دارا مقابلة لها، اشتراها بخمسمائة مثقال، و عمرها فى سنة أربع عشرة. و فى موسمها أشيعت بمكة وفاة السلطان غياث الدين المذكور.
و فى سنة خمس عشرة و ثمانمائة، جاء الخبر من عدن فى البحر بصحة وفاة السلطان المذكور.
و فى ربيع الأول منها، توفى خادمة ياقوت المذكور بجزيرة هرموز، و هو متوجها إلى مولاه، و لم يقدر له لقاه. و المدرسة التى بنيت بالمدينة، هى بمكان يقال له الحصن العتيق، عند باب المسجد النبوى المعروف بباب السلام، و ترتيبها فى المدرسين و الطلبة و الوقف، يخالف ما وقع بمكة فى هذا المعنى، و اللّه تعالى يعظم الثواب فى ذلك للواقف و لمن أعان فيه بخير.