العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٦١ - ٨٧٠- جابر بن عبد اللّه المعروف بالحراشى
ولايم صاحب مكة، و تولى عمارة الدور التى أنشأها فى الموضع المعروف بدار عيسى بالسويقة بمكة، ثم توجه من مكة فى أثناء سنة اثنتى عشرة و ثمانمائة إلى مصر، فسعى فى أذى صاحب مكة، فأجيب لقصده.
و خرج من مصر، و هو واثق بذلك، فخاب أمله؛ لأن صاحب مصر الملك الناصر فرج، استعطف على صاحب مكة، فرضى عنه و أقره على ولايته، و منع من محاربته، و علم ذلك جابر، فاستوطن ينبع ولايم ولاتها، و بنى لهم بها قلعة و سورا، و هو فى غضون ذلك يرغب كثيرا فى العود إلى مكة، على أن يضمن له بعض القواد عن صاحب مكة، أن لا يصيبه منه سوء، فلم يوافق على ذلك صاحب مكة.
ثم رغب فى سنة خمس عشرة و ثمانمائة فى إخراج جابر من ينبع، لما بلغه عنه من تحسينه لصاحب اليمن، التجويد على جدة إلى ينبع لتكدر خاطر صاحب اليمن على صاحب مكة، فى أمر فعله صاحب مكة، لم يسهل بصاحب اليمن.
فتوجه جابر إلى مصر، و أخذ يؤذى صاحب مكة، فلم يقبل منه، و صودر و بعث به معتقلا إلى صاحب مكة، فوصلها مع الحجاج، فى موسم خمس عشرة و ثمانمائة، و دخلها و الزنجير فى حلقه، و رآه صاحب مكة، و هو على هذه الصفة، فحياه بالسلام، و أقام بمنزل أمير الحاج برباط الشرابى، ثم خلص فى ليلة الثامن من ذى الحجة من السنة المذكورة؛ لأنه خرج يطوف تلك الليلة، و معه بعض المماليك، فتسحب منه، و لجأ إلى بعض القواد فأجاره، و أخبر به صاحب مكة، و جمعه عليه بعد أن توثق منه، فعفا عنه صاحب مكة، و أقبل عليه كثيرا من أموره بجدة و غيرها، فنهض بذلك.
ثم تغير عليه صاحب مكة، لما نسب إليه من تقويته للسيد رميثة بن محمد بن عجلان، على دوام عصيانه لعمه، فإن رميثة هجم على مكة فى رابع عشرى جمادى الآخرة، من سنة عشرة و ثمانمائة، و هجم على جدة فى رمضان من السنة المذكورة، و نهب جدة و الهدة، و سعى بعد ذلك جابر و غيره فى الإصلاح بينهما، فشرط رميثة ما لم تطب به نفس عمه، و صمم على ذلك، فاتهم فى ذلك جابر و من معه، و وقع مع ذلك من جابر مخالفة لمخدومه فى بعض أوامره، فقبض عليه بمنى فى النفر الأول، ثم قرر على أمواله، و أشعر بقتله، فصلى ركعتين، و خرج من أجياد مع الموكلين بقتله إلى باب المعلاة، فشنق به، و لم يظهر منه جزع فى حالة شنقة و لا فى ذهابه إلى الشنق، و لا كلم الموكلين به كلمة واحدة.