العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٤٠ - ٩٨٣- الحسن بن جعفر بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى المكى، أبو الفتوح
و ذكر صاحب الدول المنقطعة هذه القضية، و فيها مخالفة لما سبق ذكره مع زيادة فوائد. و قد رأيت أن أذكر كلامه لذلك.
ذكر أن الوزير أبا القاسم بن المغربى بعد قتل الحاكم لأبيه، سار إلى الرملة، و اجتمع ببنى الجراح الطائى، ثم سار إلى مكة، و اجتمع بأبى الفتوح، و أفسد نيته على الحاكم و حرضه على طلب الخلافة، فأظهر ذلك، و بايعه أهل الحرمين، و فارقه الوزير من مكة و سار إلى الرملة، فاجتمع بمفرج بن دغفل بن الجراح الطائى، و بنيه حسان و محمود و على، و بايعهم لأبى الفتوح. و لما تقرر ذلك، طلع على المنبر يوم الجمعة و خطب الناس، فقال أول ما استفتح به فى تحريض الناس على خلع الحاكم، أن قرأ و هو يشير إليهم:
طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ.
و لما فرغ من أخذ البيعة على آل الجراح، عاد إلى مكة و حمل أبو الفتوح على المسير معه إلى الرملة، فسار فيمن معه من الأعراب، فتلقاه مفرج و أولاده، و ترجلوا له و قبلوا الأرض، و مشوا فى ركابه. و دخل الرملة و تغلب على أكثر بلاد الشام، فبعث الحاكم إليهم جيوشه، مع مملوك أبيه ياروخ تكين، فحمل الوزير أبو القاسم حسان بن المفرج على أن اعترضه عند فجّ داروم [٣]، و واقعه و أسره و نقله إلى الرملة أسيرا و انتهبه، و سمع غناء جواريه و حظاياه و هو مقيد معه فى مجلسه، و ارتكب منه فواحش عظيمة، ثم قتله صبرا بين يديه، و بقى الشام أكلة لبنى الجراح، و لم يمكن الحاكم أخذهم إلا بالملاطفة، فسير إلى حسان يلاطفه بما يبذله على أن يخذل أبا الفتوح، و ترددت الرسل حتى تقرر أنه يدفع إليه خمسين ألف دينار عينا، و لكل واحد من إخوته كذلك، سوى هدايا و ثيابا و حظايا، تهدى إليه و إلى إخوته، و سير جميع ذلك إليهم، فمالوا عن أبى الفتوح، و دخلوا فى طاعة الحاكم، و لما أحس أبو الفتوح بذلك، ركب بنفسه إلى الوزير أبى القاسم، و قال له: أنت أوقعتنى فخلصنى، فركب معه إلى مفرج و أخبراه بخبر أولاده، فقال لهما:
و ما تريدان منى؟ قال له العلوى، و هو أبو الفتوح: إن لى عليك حقا، و أريد أن تجاوبنى
[٣] الداروم: نزل بنو حام الجنوب و الدبور و يقال لتلك الناحية الداروم. و هى أيضا قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر. انظر: معجم البلدان (الداروم).